الخميس، 26 يوليو 2012

"مِن نُور"





حينَ كنتُ في الثانوية العامة تعرفتُ على "نور"،زميلة لي بالصف، لم أكن أتقبل أن تَكون صديقتي رغم محاولاتها لأَن تكون، طوالَ تلكَ السنة. حتى جاءت نقطة التحول، إذ بلغنا نهاية العام وبدءت المعلمات في رصد درجات أعمال الفصل، وكانت الكرّاسة الصفية  مهمة جداً إذ تُمثل درجة عالية من درجة أعمال الفصل، وما حدث أن فاجئتنا مُدَرسة الأحياء دونَ سابق تنويه أن اجمعوا جميع الكرّاسات، فاليوم سأرصد الدرجات، ومن لا أرى كرّاستها اليوم ستحصل على "صفر".
ارتعتُ جداً لأني لم أحضر الكراسة في هذا اليوم، ومع هذا تجاهلت الحقيقة وبحثتُ في حقيبتي المدرسية عن كرّاسة الأحياء لعلي وضعتها بين الكتب والدفاتر، ولكن لا فرار من الواقع . الكرّاسة لَيست معي. وليسَ لي غير ال"صفر". لم أذهب لاتوسل المُدَرسة لتمنحني فرصة أخرى فأنا أعرف هذه المُدَرسة جيداً، كلامها لا يتبدل ولا يتغير.
جلستُ في الصف، وزميلتي نور تَرقبُ حالتي، نور بكل هدوء ذهبت وسَلَمَتْ كرّاستها للمدرسة ثم رجعت أدراجها. سادت لحظات صمت حتى تُكمل المدرسة من رصد الدرجات وتصحيح الكرًاسات.
في نهاية الحصة، أخذت المُدَرسة تُنادي بأسماء الطالبات ليستلمن دفاترهن، وتقول الدرجة التي رصدتها لكل طالبة، فبدئت تنادي بأسماء الطالبات بالترتيب الأبجدي،حتى وصلت إلى اسمي،صُعقت حينَ نادتني لأستلم دفتري، وصُعقت حين سمعت أني حصلت على درجة كاملة!
ذهبتُ لأستلم الدفتر، الذي لستُ أدري من أينَ أتى؟ وكيف! وأنا أتحرك بالحركة البطيئة من هول الصدمة، سمعتُ من نور عبارة: " أخذيه ورجعي لا تقولين شي". وهكذا فعلت.
حينَ تصفحتُ الدفتر لم يكن دفتري بالطبع، ولكن كان أسمي في مقدمته، علمتُ من الخط أنهُ خط نور، وأنا أقلب الكرّاسة يَمنةً ويَسرة، وصلت المُدَرسة لأسم نور وإذا بها تقول :  " نور عدنان الشامسي ، صفر "!!
حينها شعرت بحجم الإيثار من تلكَ الإنسانة، وشعرتُ كم ظَلَمَتْ نفسها بهذه الفعلة، لم أتقبل أن أكون صاحبة الدرجة الكاملة وأنا من نسيت الكرّاسة وصاحبة الكراسة الحقيقية تأخذ "صفر".
ألتفتُ على نور وأنا متلونة بألوان غريبة، وجميع ملامحي تتكلم : "لمً فَعلتِ ذلك!" ثم قلت: "حرام عليج تحصلين صفر!" فابتسمت ابتسامة جميلة وقالت لي : "ماعليج".
المعجزة الربانية التي حدثت أن تلكَ المُدرسة الصارمة، قبلَ أن تَنصرف من الصف أخبرتنا أن الفتيات اللاتي لم يُحضرن دفاترهن سأمنحهم فرصة أخيرة حتى صباح الغد.
ذلك الموقف الذي أطنبتُ في وصفه كان نقطة التحول في علاقتي بنور من الزمالة الى الصداقة، إذ أدركتُ رغم معارضتي لما فعلت، أنها أصيلة بحجم السماء.

 منذ ذلكَ الحين وحتى يومنا هذا أنا وهي ظللتنا صداقة حميمية ، فنؤثر الخير لبعضنا البعض، وتواعدنا منذ المرحلة الثانوية أن يكون حبنا خالصا لله ، فالحب في الله هو الرباط الأبقى والأدوم.وكتبتُ لها كلمات بخطي المعوج باتت تحفظها حتى يومنا هذا : "الشمسُ بعظمتها تغيب، والوردُ بجماله يذبُل، والشمعُ بتضحيته يَذوب، وجميع الأشياء في أفول، فالتغير سنة الحياة، لكنني أنا وأنتِ سنخالف السنة، ستبقى علاقتنا باقية وإن رحلنا سنلتقي بجنات النعيم". ووضعتُ عهوداً غليظة لتلكَ العلاقة، أساسها الحب في الله والنصح والإنجاز.
نور ليست الصديقة الوحيدة التي بنيتُ معها صرح صداقة شامخ ، لدي صديقات كُثر ، وجميعهن تربطني معهن نفس الرباط ، رباط الله في الصداقة، الذي نسيجهُ حب ونصح وعلم وفائدة.
فحين نجتمع نجتمع لطاعة أو لعلم أو لإصلاح أمر، نجتمع كذلك للترفيه، الترفيه الرصين، ولكننا نحرص أن تكون أغلب لقاءاتنا لقاءات الهمم والفائدة، فهذه هي الصداقة الحقة ، التي تعينك على الرقي في الدنيا والآخرة.
بعض الناس لا يؤمن بالصداقات، إذ أنهُ لا يعرف كيف يحل معادلات الصداقة الخطية البسيطة ،فيرى الغدر في كل صديق يقرَبُه، ولَعلَّ العيب هنا ليس في الأشخاص ولكن في الرباط الذي يَربطُ الأشخاص،وحين تنتهي العلاقات بالفشل، أدركُ يقينا أن الرباط لم يكن رباطاً ربانياً.
أَتَفَكَرتَ يوماً في صَحبكَ؟ ونشاطاتكم حينَ اللقاء، وعهود الصداقة بينكما! حين تُجيب على أسئلةٍ كَتلك سَتُدرك مستوى العلاقة وعمقها وأصالتها.
وأنا أكتبُ سطوراً كهذه تذكرت النشيدة القديمة التي يحفظها غالب الناس : "أن تدخلني ربي الجنة.. هذا أقصى ما أتمنى.. وتهبني الدرجات العليا.. يارب.. يا لهنائي حين أُلاقي في الجنةِ صحبي ورفاقي.. فَرِحِينَ بنعم الخلاقِ..ياذا المنة ..يارب".
وهنا تُجبرني صداقاتي أن أُغير البيت الذي يقول: "ما أكثر الاخوان حين تعدهم .. لكنهم في النائبات قليلُ" ليكون: "ما أكثر الأخوان حين تعدهم .. وجميعهم في النائبات عضيدُ"

اللهم ارزقنا صحبة الأخيار لنكون على منابر من نور..
 اللهم آمين.

رحاب شريف
26 يوليو2012


الخميس، 19 يوليو 2012

"يا سلام"



سمعتُ قصة "محمد بن أبي عامر" الشهيرة منذ سنوات عديدة وشاهدتُ قصتهُ في المسلسل التاريخي الشهير:"ربيع قرطبة"، إذ تتلخص قصتهُ أنهُ كان فقير معدم، وكان يحلم أن يكون خليفة المؤمنين، وكان قد أخبر أصحابة ماذا تتمنون لو أصبحتُ الخليفة؟ فأما الأول فقال:توليني القضاء، وقال الآخر: توليني حسبة السوق، أما الثالث فقال مستهزئاً: إذا تحقق ماتريد فأمر بأن يطاف بي قرطبة كُلها على حمار وأنا مطلي بالعسل،ليجتمع علي الذباب والنحل. فلما بلغ "محمد بن أبي عامر" الهدف منح كل واحد منهم أمنيته،على نحو ماطلب.
"محمد بن أبي عامر" بلغَ الهدف باجتهاده وهمته وطموحه وذكائه وأصبح الحاجب المنصور، وحل محل خليفة المؤمنين، وأثبت معادلة الوصول: إن تواجدت الهمم وغلت العزائم فلا يحول بينك وبين الهدف أمر.
"محمد صفر" زميل لي في عملي السابق، يذكرني أخي "محمد صفر" ب"محمد بن أبي عامر"، فهو كبير الهمة ، قوي البأس، كثيرُ العمل، وكان يحلم أن يصل إلى منصب كبير في سن صغير وهذا ماحصل، تدرجَ السلم الوظيفي من أدناه حتى بلغَ منصب "مدير" وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين عاماً في أحد أشهر البنوك الإسلامية، ولا عجب فحين تتواجد الهمم تموتُ المستحيلات.
عمتي "بدرية" هي أكبرُ عماتي سناً ولكنها ذاتَ همة كبيرة، وعمل دؤوب، لم يُثنها عن تحصيل العمل حاجز، ولا عن الوصول لشهادة الماجستير عمر معين، بل هي مصدر تحفيز وإلهام للقاصي والداني. كلمتني جدتي منذ فترة اذ ألتقت بها صباحا لتوصيَتها ببعض المهام واستغربت همتها العالية فتقول:" ياريت الكل عنده مثل همتها "، فأجبت :" ياريت". فلا يحولُ بين الإنجاز أعمار، ولا أعذار ،إن وُجدت الهمم.
"فيصل الذيب" أحد المستثمرين العمانيين الذين كنتُ أتعامل معهم في عملي السابق، صغيرُ السن، أصبح مليونيرا من الصفر وهو لم يتجاوز الثلاثين عاما، وعندما ذكرَ لي قصتهُ صُعقت لفترة لكن العجب تبعثر بسرعة شديدة، فالهمم تصنع المعجزات يا رحاب فلمَ العجب؟
 إذ إن قصتهُ باختصار أنهُ عندما كان طالباً جامعيا كان يملك سيارة قديمة جدا ، فكان يوصلُ بتلك السيارة أصحابة الذين لايملكون أي وسيلة مواصلات للوصول للجامعة، وكان يأخذ مبلغاً شهرياً من كل طالب، فأشتهر بالجامعة وأخذ الكثير يطلبون منه " التوصيلة" للجامعة، فجمع مبلغاً من المال وباع السيارة القديمة، واشترى باصاً مستخدماً ليستطيع نقل مجموعة أكبر، وجمع مالا أكثر واشترى باصاً آخر ووكلَ أحدُ زملائة  بسياقته بحيث يمنحهُ مرتب شهري، وجمع مالاً أكثر وهكذا حتى اشترى باصاً ثالثاً ورابعاً وخامساً وسادساً!!
حينَ بلغَ عدد الباصات الستة ، قاربَ هو على التخرج ، وتخرجَ بنجاح بل وبتميز، باعَ تلك الباصات الستة وماجمع من خلال تلك السنوات من المال واشترى قطعة أرض، باعها واشترى غيرها وهكذا.. حتى باتَ اليوم مليونيرا بل ومن كبار المستثمرين العمانيين. بفضل الله وتوفيقه، ثم بفضل تلك الهمه العالية المتدفقه .
 منذ يومين كنتُ أحثُ أخي الأصغر "ابراهيم" على القراءة والكتابة بشكل أكبر، فأجاب : " آنا صغير ليحين على هالسوالف"، أجبتهُ: "ليس هناك عمر للانجاز، إن توافرت الهمة، فطأطأ الرأس غير متقبل .. حتى ذكرتُ لهُ بيت المتنبي : "واذا كانت النفوس كبارا.. تعبت في مرادها الأجسام".. قَبَلَ بروحٍ عالية بعد مناقشة طالت عن معنى البيت، ووضعَ نصب عينيه أن يكون الأول على المرحلة الإعدادية في العام القادم.
 
 هزتني قصة "أبي مسلم الخرساني" الرجل الذي أسقط دولة بني أمية وأقام دولة بني العباس، صاحب الفتوحات والانتصارات العظيمة،اذا جاء في التاريخ أن أمهُ كانت تراه وهو صغير يتقلب على الفراش
كالملسوع،فتهب إليه مستفسرة، فيقول لها: همة يا أماه تنطح الجبال! "يا ســلام" على همم كتلك.

قصصُ الهمم كثيرة، قديمة كانت تلكَ القصص أم "طازجة" من حاضرِ عصرنا، العبرة ليست في زمن القصة وبطل القصة وتسلسل أحداثها، أنما العبرة في من أعتبر بهذه القصة، فتكون تلك القصص المحفزة كالنار الحامية لتغلوا بها الهمم، ولكنهُ حتماً الغليان المستمر.

اللهم إنا نسألكَ همماً عظيمة لا تخمدُ أبدا..



رحاب شريف
19 يوليو 2012

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

روائع الغربة..




أصبحتُ أحبُ ملابسي أكثر، عندما صرتُ أنا من يغسلهم ويطويهم ويكويهم لا الخادمة..
أصبحتُ أتلذذ بطعامي أكثر لأني أنا من يطهيه من الألف إلى الياء...
أصبح لدي صديقات من كل الدول والاجناس والطوائف والنُحل .. نختلف لكننا نحبُ بعضنا واختلافنا ..
تعلمتُ تدبير أموري بنفسي .. بعد التوكل على مدبر الأمور" الله عز وجل"...
بتُ أحرص على الدقائق قبل الساعات لاستثمار وقتي في كل خير وفي الخير كُله..
تعلمتُ أن أكون معتدلة في صرف مالي فلا إفراط ولا تفريط..
صار لنظافة المكان من حولي طعم آخر فأنا من يقوم بمهام التنظيف كُلها.. وكم علمت أن خادم البيت سيدكم وسيد البيت خادمكم..
وأجمل ما شعرتُ به هو أني أعيش مع الله ..
حتى صرتُ أردد أبيات عمر بهاء الدين الاميري " مع الله" في كل حين وحين..


مع اللهِ في القلب لمّا انكسَرْ *** مع الله في الدمع لما انهمَرْ
مع الله في التَّوب رغم الهوى *** مع الله في الذّنْب لما استتَرْ
مع الله في نسمات الصباحِ *** وعند المسا في ظلال القمرْ
مع الله في يقظةٍ في البكور *** مع الله في النوم بعد السهرْ
مع الله فجراً.. مع الله ظهراً *** مع الله عَصراً.. وعند السحَرْ
مع الله سرّاً.. مع الله جهراً *** وحين نَجِدُّ، وحين السَّمَرْ
مع الله عند رجوع الغريبِ *** ولُقيا الأحبَّة بعد السّفرْ
مع الله في الجُرح لما انمحى *** مع الله في العظم لما انجبرْ
مع الله في الكرب لما انجلى *** مع الله في الهمِّ لما اندثرْ
مع الله في سَكَناتِ الفؤادِ *** وتسليمهِ بالقضا والقدرْ
مع الله حين يثور الضميرُ *** وتصحو البصيرةُ.. يصحو البصرْ


روائع الغربة .. خاطرة تطول .. ولكن هنا توقفَ القلمُ فاستجبت.






رحاب شريف
الدوحة
10 يوليو 2012 

 

الاثنين، 9 يوليو 2012

مــلــل



أدخلُ المنزل لأُلقي التحية ، فأسمعُ من أخي الأصغر "إبراهيم" الكلمة المعتادة "ملل"، ليُدهشني دهشة تتشقلب منها قسماتي، أحضنه بعض الوقت ثم أعدد لهُ كل مالديه: وسائل التسلية ، الألعاب الإلكترونية، الكتب التي حوله ، مركز التحفيظ ، الرحلات الترفيهيه، ليقاطعني  بعبارة : " بعد ملل! ". لأندهش دهشة أكبر من ذي قبل دون اكتراث منه لدهشتي وجوابي.
وأنا في خضم العمل ، أستمع من زميلتي كلمات عديدة وقصص غريبة ولكن الكلمة الأكثر وقعا في فؤادي كلمة ملل! وأنا في المنزل تتصل بي إحدى القريبات لأستمع منها بعد بعض "السوالف" كلمة :"ملل " ، وكأن الكلمة هذه هي الفاصلة والنقطة بين عبارة وأخرى.
في "البلاك بيري مسنجر" أكثر كلمة متكررة بين الجميع هي كلمة "ملل"، وأحياناً يدخل علي أحدهم ليبدء المحادثة فيكون الحوار كالتالي:
-         ملل صح؟
-         انا مو متمللة..
-         شدعوة !
-         الي عنده هدف في حياته لا يعرف الملل
-         اها. بدينا حصة في الفلسفة.
-         لا والله بس هذا الواقع.
أحاول الانسحاب  من الحوار لأنهُ بدء يأخذ منحى الحوار العقيم ، ولكن تبدء عندي علامات الاستغراب في كل مرة، رغم أنهُ كان لزاماً علي  أن اعتاد الأمر، ولكني لم أصل لمرحلة الاعتياد بعد..
تُحدثني أحدى صديقاتي أن حياتها الزوجية مُملله وكئيبة رغم حبها لزوجها وحب زوجها لها، فتزيد في الوصف: حين تكون مع زوجها في مطعم للاستمتاع بوجبة العشاء يُردد هو كلمة "ملل"، لتجيبهُ هي مؤكدة: "إي والله ملل"! رغمَ أن الاثنين في مطعم راقي يستمتعون بتناول وجبة يحلمُ بها مليارات الفقراء ، لكن الأمر ليس في قلة البرامج، والعلة ليست في كيفية قضاء الوقت؟ وكيفية استثمار الساعات والدقائق، إنما الخلل يكمنُ في تلكَ الأرواح التي هي ميتة وهي لا تزال على قيد الحياة.
فتجد إحداهن مسافرة مع ثلة من صديقتها لدولة باتت أمداً طويلاً تحلمُ بالسفر إليها ، ولكنها حينما عادت أدراجها للوطن، سألها أحدهم : " إن شاء الله استمتعي ؟ " تُجيب : " ممم والله مو ذلك الزود، مملة السفرة شوي"!
إحدى الفتيات المقتدرات، تُبهرني أحياناً عندما تذهبُ إلى "كشك الفلافل" لتطلب سندويتش فلافل على مزاجها (سندويتش فلافل مع سلطة وطحينية وقليل من الشطة ) ،ومشروبها الغازي المفضل (دايت كولا)  وتجلس على كرسي الكشك المتواضع، وهي تشعر بقمة المتعة وهي تأكل الأكل اللذيذ ، تشعر بمنتهى السعادة واللذة وهي مستمتعة بأكلها البسيط ، وأكاد أجزم أن أي مخلوق يراها تأكل سيشتهي أن يأكل مما تاكل فقط لأن في طريقة أكلها لذة ومتعة وحياة رغم أنها تأكل أكلاً بسيطاً على بساط البسطاء. بينما تأكل تلكَ الزوجة مالذ وطاب من أشهى الأكلات وأكثرها تنوعا ، من مطعمٍ قد يفوق رقيه مطاعم الخمس نجوم، وهي تردد كلمة "ملل" هي ومن معها.
"منصور" أحد الذي يعملون في البقالة التي نتردد عليها، يعمل منصور وكأنهُ يلعب، من شدة المتعة والسعادة، فتراهُ مبتسما سعيداً ضحوكاً، وهو عامل بسيط في بقالة صغيرة، بينما الموظف الذي يملك راتبا يفوق راتب منصور بأربعين ضعف، ويملك مكتباً رحباً، يُتمتم بين كلمة وأخرى بكلمات الملل والضجر.
زارني أخي "أحمد" منذ فترة ومررت على البقالة لشراء بعض الحاجات ، فاندهش أخي كل الدهشة عندما رأى منصور، مرددا : "سبحان الله "، ثم أضاف: "يعمل ببهجة دون ملل! رغم أنهُ لا يملك شيء إلا وكأنه يملك كل شيء".
 “Dean”أحد الموظفين الجدد الذين انضموا إلى فريق العمل بالشركة، من أصل أجنبي “المملكة المتحدة تحديدا"، فكان كلما سمع أن هناك اجتماع سوف يعقد قريباً يُبهرني بعبارات تُشعشع منها الحياة و الحيوية: فيقول "ليس لدي صبر حتى يأتي الاجتماع" ، وأحياناً يُردد: "أنا متحمس جداً". بينما الباقية المتبقية من فريق العمل يترنحُ في مشيه مللاً وكأنهُ يصرخ : " لايعة جبدي" ، وكأنهم أحياء دون حياة وأجساد دون أرواح . فسبحان الله !
أدركتُ يقينا أن الخلل ليس فيمَ يقضون أوقاتهم ولكن كيفَ يقضون أوقاتهم ، تلكَ النفس البشرية تستطيع أن تستمتع بكل شيء حتى بالأمورالبسيطة فتصل لقمة النشوة والسعادة ، وتستطيع أن تسخط حتى من الفاخر الراقي لتبلغ قمة الملل والتذمر والضجر.

اللهم اشرح صدورنا ونفوسنا .. اللهم آمين.


رحاب شريف
9 يوليو 2012

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

الفيل والنملة

كنتُ منذ فترة في حوارٍ مع الكاتب "مصطفى فرحات" ، فَتَشَعَبَ الحديثُ معهُ تحتَ مظلة الثقافة  والأدب، حتى طَفقَ يُكلمني عن عَلَمٍ مِنْ أعلامِ الفِكْرِ والأدب " محمد البشير الإبراهيمي"، فقد أخبرني أنهُ ما بَلَغَ التسع سنين مِنْ عُمرهِ حتى كانَ قد حفظَ القرآن مع فهم مفرداته وغريبه.
وكانَ قد حَفِظَ معهُ ألفية ابن مالك، ومعظم الكافية له، وألفية ابن معطي الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، و الجوامع في الأصول، وتلخيص المفتاح للقاضي القزويني، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب، وأنه حفظَ  الكثير من شعر أبي عبد الله بن خميس التلمساني شاعر المغرب والأندلس في المائة السابعة، وحفظَ معظم رسائل بلغاء الأندلس مثل ابن شهيد، وابن برد، وابن أبي الخصال، وأبي المطرف ابن أبي عميرة، وابن الخطيب.
ثم أسهَبَ أنهُ حفظَ صدراً من شعر المتنبي، وصدراً من شعر الطائيين، وحفظَ ديوان الحماسة، وحفظَ كثيراً من رسائل سهل بن هارون، وبديع الزمان وحفظَ كتاب كفاية المتحفظ للأجدابي الطرابلسي، وكتاب الألفاظ الكتابيه للهمذاني، وكتاب الفصيح لـ: ثعلب، وكتاب إصلاح المنطق ليعقوب بن السكيت، حفظَ كل ماسلف ولم يبلغُ مِنْ العمر إحدى عشرة سنة!
 كنتُ استمعُ إلى الكاتب مصطفى وهو يُعددُ لي ما حفظ محمد البشير - لا ما قرأ - مِنْ كتبٍ ودواوين ووجهي كُلهُ متلون وقسماتي كُلها مُتَشَقْلِبَة، فرجل كَمحمد البشير مِنْ وفيات الستينيات، 1965 م تحديداً، وتعليمهُ الكثيف يُذَكرني بِعَهْدِ الأئمة والتابعين، و الأندلس الرغيد، فعندما سَمِعْتُ ما سَمِعُت احتقرتُ ذاتاً مجدتها  ، حتى ادركتُ الفرق الشاسع ،فقد كنتُ أفخرُ بنفسي لأني عندما كنتُ بالخامس الابتدائي قرأتُ كتب ديل كارنيغي وفي السادس قرأتُ كتب المنفلوطي. أما في المرحلة الاعدادية فقد بدئت سلسلة توفيق الحكيم والرافعي وبعض من كتب العقاد ولخصتُ الموسوعة العربية الميسرة بجزئيها وكتب ودواوين من هنا وهناك وأنا لم أبلغُ المرحلة الثانوية بعد، وكنتُ سعيدة جداً ومفتخرة بتاريخي وكأني الفتاة الغريبة العجيبة بين الأنام، حتى سمعتُ سيرة محمد البشير الإبراهيمي.
"إيهاب مدحت" أحد الأشخاص الذينَ تعرفتُ عليهم في مجموعة سلام- الدوحة، فَعَلِمْتُ منهُ  أنهُ بَدَءَ القراءة في كتب كارنيجي والفقي وغيرهم وهو في المرحلة الثانوية ، كانَ إيهاب فخوراً على حدِ قولهِ بتاريخهِ التليد حتى عَلِمَ عن تاريخي في القراءة، المُضحك إننا نحنُ معاً – وجميع من يندرجُ تحتَ المظلة نفسها – "عاملين ديك وسط فراخ " ، نُقارنُ أنفسنا بالفارغين ، الذين لا يقرؤون البتة ، فنكونُ نتيجة تلكَ المقارنة الجبابرة والعمالقة في الفكر والقلم ، وإذا أردتَ الواقع فالواقع ليس كذلك أبداً.
قرأتُ منذ فترة مِنْ الزمن مقالاً للشيخ علي الطنطاوي رحمهُ الله، فكانَ يتضمن سؤالاً عجيباً، إذ يقول إذا سألتكَ عن العصفور أصغير أم كبير؟ فإن قُلتَ صغير ، قُلتُ: أقصدُ نسبتهُ إلى النملة، . وإن قلتَ :كبير . قُلتُ : أقصدُ نسبتهُ إلى الفيل. فالعصفور كبير جداً معَ النملة وصغير جداً مع الفيل. المؤسف أن  الغالبية منا يرى تاريخهُ تاريخاً تليداً وعطاءاتهُ وقراءاتهُ عطاءات متميزة وهي اليسيرة المتواضعة. السؤال الآن عندما أطلقتَ الحُكمَ على نفسك، أكانَ نسبةً إلى الفيل أم إلى النملة!
علمتني والدتي حفظها الله ورزقني بِرَّها، أن أقارنُ نفسي في العلومِ والتقوى دوماً بمن هم أفضل مني  وأن أقارنُ نفسي في المال والجاه دوما بمن هم أقل مني شأناً  وأسوء مني حالاً.لقد سمعتُ سيرة محمد بشير وأدركتُ الفارقَ الجَلِيّ، هوَ: حفظَ كلَ ما سلف من أمهات الكتب ولم يبلغ الحادية عشرة سنة من عمره ، نحنُ: قرأنا شذرات من الكتب ونحن في عمرٍ متقدمة، هوَ: حفظَ القرآن كُله ومفرداته وغريبة ولم يبلغ التسع سنين. نحنُ: لم نحفظ القرآن بعد ، هو: بلغَ العناء مَبلغهُ لنهلِ العلوم الغزيرة ، نحنُ نتلقى العلوم البسيطة ونحنُ على الأرائك. هو : الفخرُ لأولادهِ وأحفاده . نحنُ : نبحثُ عن الفخر في أسماء العائلات البَرّاقة والقبائل الممتدة الأصيلة.هو : سَطَّرَهُ حاضرهُ وهو موجود وتاريخهُ وهو في عداد الموتى، نحنُ: لا سَطَرَنا الحاضرُ ولا الماضي.
لَعَلَ نماذج محمد البشير الإبراهيمي عديدة  على مر العصور، قارن نفسكَ بأيِهم أردت، لا يَهُم، الأهم أن تقارن نفسكَ في العلوم والتقوى بالفيل لا النملة، لتَتَقِدُ الهِمَمَ وتَغْلُوا العزائم وتَضَرِمُ الإرادة، فَتلكَ هيَ المُقارنة الحَقَّة.
اللهم اشغلنا بالعلم والإيمان .. اللهم آمين.



رحاب شريف

@rehabsharif

السبت، 9 يونيو 2012

"في يوم ميلادي.."

خاطرة أوجهها لجميع من أثر في حياتي
في يوم ميلادي ، أول ماقمتُ به بعد النهوض من نومي أن مسكت القلم لأسطر فيه هذه الكلمات، لشموع في حياتي لن تنطفئ :
أشكرُ "الله عز وجل" على كل نعمةٍ منحها لي منذ ولادتي وحتى هذا اليوم، جميع النعم صغيرها وكبيرها، ماعلمت منها ومالم أعلم.
أشكرُ "الله عز وجل" على كل دعاء استجابهُ لي، فقد وجدتُ في الدعاء حياة، رغم المعاصي والذنوب، لم يَرُد اللهُ لي دعوة حتى اليوم ، فلكَ الحمدُ يارباه حمدا لا منتهيا.. على نعمة الدعاء وعلى كرم الإستجابة.
أشكرُ جدتي " مريم بنت عبد الرحيم " أمي الاولى، فقد ربتني على أصول الحب المطلق، وأصول الطيب اللامنقطع ، والعطاء الذي لا ينتظر مردودا.. فلكِ الشكر الممدود مدا..
أشكرُ والدتي " ليلى بنت أحمد " ، على أن ربتني فأحسنت تربيتي ، وأن زرعت فيني التميز والطموح وحب العلم منذ نعومة أظفاري، ومنحتني حبها ونصحها ومالها ، فوق ماتستطيع، فكانت نعم الأم البارة لأبناءها، فأعني اللهم أن أكون لها بارة فتكون عني راضية.
أشكرُ والدي "عبد الغفور شريف" على تربيته واهتمامه، وحرصهِ التام أن يكون الاب المثالي ، الملتزم ، الحنون، فلك الشكر كُله، حتى ينقطعَ النَفَس.
أشكرُ" أحمد عبد الرحيم " خالي الحبيب، السند لجميع أفراد العائلة، في كل شي وفي كل حين ، هو الرجل الذي قيل فيه ، رجلٌ كألف، حفظهُ الله .. آمين.
أشكرُ الدكتور "علي بن عبدلله آل ابراهيم"، أول مسؤول لي في حياتي، فكانَ نعم المسوؤل ونعمَ الأستاذ ،كان الأب الروحي للجميع، علمني وجميع الموظفين أصول الادارة ، وجميل العطاء ، والإخلاص في العمل، فكانَ القدوة لنا ، باركَ الله له ولهُ مني الدعاء الجميل.
أشكرُ " نور الشامسي" صديقة عمري، على صداقةٍ مخلصة دامت اثني عشر سنة ، وسَيبقى نور هذه الصداقة -بعون الله - تحتَ شمس الدنيا وسماها ، وستخلد في منابرٍ من نور في اليوم الآخر.
أشكرُ أختي الوحيدة "حليمة شريف" لأنها البلسم الشافي ، حينَ أحتاج، ولأنها الحصن الأمين، والقلب الحنون .. هي أختٌ واحدة ولكنها تُغني عن الكونِ كله.
أشكرُ " أخواني : "عمر وأحمد وابراهيم وحمد" ، فهم الشموعُ النيرات بدرب الحياة، وهم السند الذي لا غِنى لي عنه، حفظكم الله.
أشكرُ " رافد المناعي" ثاني  مسؤول لي في حياتي ، فقد غمرني بنصحة واهتمامه، ومنحني الخبرات النيرات بطرق مباشرة وغير مباشرة، فكان نعم الاخ ونعم المسؤول ونعم الناصح الصدوق. ربي أحفظهُ لأهله وذويه .. اللهم امين.
أشكرُ "بشرى فقيهي" توأم فكري وروحي "، الصديقة التي لا تتكرر، الناصحة الامينة ، فلها الحب الكبير. أحبكِ يا بشرى.
أشكرُ أستاذي " فؤاد الجندي " أستاذ الادب، على جميله الكبير، فلكَ الشكر العظيم، فأنت الأستاذ الذي كاد ان يكون رسولا.
أشكرُ كل"  كاتب ومؤلف " قرأت له ، فأثرَ في حياتي، وارتقت نفسي بكلماته ، اللهم ارزقهم الفردوس كما صيروا حياتي فردوسا.
أشكرُ خالتي فائزة ورجاء، وأخص بالذكر "خالتي فائزة ": مستشارة الجميع بعقلها وحكمتها وحبها.. فلكِ الحب والفضل.
أشكرُ جميع عماتي الحبيبات الحنونات : بدرية ، أحلام، فوزية ونسيمة. وأخص بالذكر عمتي "بدرية" على تشجيعها الدائم وتواصلها المستمر.
أشكرُ زوجات أخوالي الحبيبات:
فاطمة "فطيم": فهي الصديقة والأخت القريبة للفؤاد.
"رقية":  فهي القلب الحنون والاهل لي في وطني الآخر..
آمال " أمونج": فهي تلك الدرة المكنونة والقلب الطاهر.

أشكرُ أساتذتي الأفاضل في حياتي الدراسية كلها : مدرستي شيخة بن هندي ، د.هشام العمال، د. حسن كمال، د. عمر بن عبد العزيز العاني،د.محمد عبد الله.
أشكرُالأختين الحبيبتين اللتين لم تلدهما أمي " ابتسام القايد و لينا العوضي"  على أن ساندوني في حياتي في قرطبة،. أحبكم في الله .. ولا حرمني الله منكما.
 أشكرُ ورود حياتي، صديقاتي الحبيبات، سناء البوعينين،ايناس المحمود،فاطمة الانصاري،وضحة الهيل،ريما بنت احمد بن شمس، منيرة السليطي، عهود علي، ريهام الحسيني، نجود بشير،ياسمين فولاذ،ايمان حساني،شيماء السلطان، ليلى عباس ، عبير الروحاني، نادية جناحي، فاطمة النعمة،كريمة العوضي، نجلاء البنعلي،مروة محمد يوسف،سهير المهندي،مريم الزيارة وشيندا وصديقاتي الصغيرات آمنة وسارة..
تطول قائمة الصديقات ، فمحلكم الفؤاد جميعا.

في يوم ميلادي.. أسأل الله أن أكبر وتكبر حسناتي، وتنعدم سيئاتي، وأن أكون من أهل العلم والإبداع، وأن اقترب لأهدافي يوما بعد يوم.. وأن أكون ممن نهضوا بالامة الاسلامية..
اللهم أني أحبك .. فلك الحمد أول الكتاب وآخرة...

انتهى
9.6.2012



الأربعاء، 6 يونيو 2012

لستُ عبداً


خالتي الحبيبة " شيماء" بعد تخرجها من الجامعة حصلت على وظيفة في إحدى الوزارات بالدولة وعملت جاهدة بكل أخلاص وتفان، كنت أراها تَعملُ حتى بعد أوقات العمل وفي أوقات الإجازة الرسمية وعطل نهاية الأسبوع، عَمِلَتْ في هذهِ الوزارة لمدة ثلاثة أعوام ونصف العام ، وفي وقت كان من المفترض أن تحصل فيه على ترقية تم نقلها الى قسم لا تريده ولا يتمناه احد، فقررت وبعنف تقديم الاستقالة، رغم كل الالتزامات المادية التي " تزنطها" والقروض التي تلاحقها، إلا انها قررت ولم يُثنها عن القرار أحد. الجميع كان يرى ان قرارها قرار خاطىء وإنها لم تَأخذ بالحسبان أولويات الحياة. إلا أنَ القهرَ الذي بينَ جنبيها جعلها مُصرة بإقدام دون إحجامٍ أبداً.
بَدءتْ عملها الخاص - ولَعَلّ الحاجة هي أم الاختراع - في ما تُحب نَفسها وتَرغب، فقد كانت تُحِب " المكياج " حباً جماً ، وتتذوقهُ بفن راقٍ وتستمتع به أيّما استمتاع ، الخُلاصة إنها الآن من أشهر خبيرات التجميل بالخليج العربي، فقد حَولت راتبها الزهيد إلى مدخول يفوق دخلها الشهري بعشرين ضعف أو يزيد، وحولت القهر المكبوت الى إنجاز عظيم، فهي تعمل ما تحب وهي رب العمل والأجمل من كل ذلك إنها أثبتت نفسها في المحنة ولم تحتج الى أحد بل تَوكلت على الله وعملت على قَلْب القهر إلى عزيمة مُتَقِدَة، وهِمّة لا مُنْتَهِية، فارتَقَت بذلك.
قصة "شيماء" تُذكرني بقصة عَرفها الجميع، قصة والت دزني الذي أُقيل من عمله بالصحيفة دونَ سابق إنذار بتهمة أنهُ يفتقر للإبداع حتى خلدهُ الدهر بالإبداع كله، فَسبحان من يقلب الرزايا إلى مزايا والمِحَن إلى مِنَح عظيمة،رحبة ومُتَرامِية.
مُنذ فترةٍ طويلة قرأتُ كتاباً باللغة الإنجليزية إسمهُ " الأب الفقير والأب الغني" للكاتب روبرت كايوساكي الأمريكي المنحدر من أصل ياباني، المليونير بعد إفلاس وفقر ، كان كتابهُ طويلاً، ولكن العبارات التي أثرت فيني قليلة وقصيرة جداً، دعوني اكتبها لكم، العبارة الأولى تقول : إن العبد يبقى عبداً وإن كان ذو أجر كبير، الثانية: أن الموظف يعملُ جاهداً ليتسلق السلم الوظيفي حتى آخره، فَلِمَ لا تَمْتَلِك السُلم كله؟ ، العبارة الأخيرة: إن الموظف يعمل بكل قوته حتى لا يصرفه رب العمل بينما رب العمل يدفع أقل مايمكنه حتى لا يتركهُ الموظف. عبارات كانت مُوجعة ولكنهُ لا سيما الوَجع الجميل الذي سيدفعُ للتغيير حتماً.
الخميس المنصرم، احسستُ بقيمة كل عبارة من عبارات روبرت كايوساكي إذ حدثَ مايُشعرني بقيمة العمل الحر، بقيمة أن تكون رب العمل ، وصاحب المؤسسة ، وحر نفسك، وإن كنت يا صاح ذا أجر كبير فأنت عبد في نهاية المَطاف. إذ زَرعَ أجدادنا فينا دون وعي بأن الوظيفة الآمنة هي الحل لمفاجآت الزمان، إلا أن الواقع إنك يجب أن تتعلم مِنْ الوظيفة لتستقل يوماً ، الوظيفة لَيست الحل الدائم، قد تكون حل قصير الأجل لأزمة مزمنة طويلة الامد.
يُحَدثُني أَحد أقربائي مُمتَعِضاً بأنه يكرهُ أن يكون مُلتزماً بدوامٍ مُعَين، وهو صَاحِبُ إبداع وشخصية قوية ودقة متناهية، فَقُلت: شَخْصٌ مثلك لن يخسر إن بدءَ عملهُ الحر، وإن خَسرَ مَرة ومَرتين وثلاث فإن النجاح سَيكونُ حَليفهُ في نهاية المَطاف. لَعَلّ هذه الكلمات أوجهها لنفسي قبلَ أن أوجهها لغيري، ولعل الجميع يَحترق من هذه الحقيقة المُرّة،  ولَعَلّ قاطبة الناس كذلك تتمنى أن تتحَرَر مِنْ قيود الوظيفة، ولكن قلة قليلة التي تجد بين جنبيها الشجاعة لاتخاذ القرار، والأهم اتخاذهُ في الوقت الصحيح وبالطريقة المناسبة لمشروع مدروس والأهم مِنْ كُلِ ماسَلَف الثقة بالنجاح بعدَ التوكل على الله.

اللهم ارزقنا الهِمَة فإنا عَليكَ مُتَوَكِلُون.. اللهم آمين.




بقلم: رحاب شريف
@rehabsharif