الجمعة، 18 مايو 2012

حَبِيبة غَيْرِه

اشتَهَرَتْ قصةُ أَحد الفتيات في أيامِ الدراسةِ الجامعية، فَقَدْ أَحَبَتْ أَحَدُ زملائها في الجامعة، وأَحَبَها حُباً شديداً،وبَعْدَ أربع سنوات مِنْ الحُبِ والوَلَع ، اختارَ إبنةُ خالتهِ، لِتَكُون زَوجته، واخبر حَبيبتهُ بِأنهُ مُفارِقُها قبلَ ارتباطهِ بيومٍ واحد، لِتَنْهارَ الانْهِيارَ العَظِيم،وتَدْخُلُ مَرْحَلةَ اكتئابٍ شديدة،وحِينَما بَحَثَ بَعضُ المُقَرَبِينَ عن سَبَبِ فِعْلَتِهِ أَجاب: كُنْتُ أُحبها حُباً عَظِيماً ومازلتُ أَفْعَل، ولَكِني لَمْ أَكُن لأتَزَوَج فتاة كَلّمْتُها !
لَنْ أٌقرب المنظارَ الشَرعي لِعلاقةٍ كَتِلك، ولَكِنهُ السُؤال الذي يَطْرحُ نفسه: إن كُنتَ لم تَكُن لِتَتَزَوجَ فَتاة كَلّمْتَها وأحبَبْتَها قَبْلَ الزواج.. لِمَ دَخَلْتَ فِي عِلاقةٍ كَتِلك؟ ولِمَ عَلّقْتَ قَلْبَ فَتاةٍ مُرهَفَة الحِس، رَقِيقَة المَشاعِر، وجَعَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ دماً يَسْرِي في عُرُوقِها، وأَنتَ تَعْلمُ العِلمَ اليَقِين إنكَ لن تُقدمُ على زواجٍ وارتباط، فأنْتَ هُنا لا غاية ولا وَسِيلَة.. فَأيُ رَذِيلة! وإن كُنتَ قد احْبَبْتَها فعلاً كما تَقُول وماتَزال تُحِبُها، فإنَّ ذلكَ لن يُفلِتُكَ مِنْ العِقاب، فإنهُ كما تُدِينُ تُدان ولو بَعْدَ حِينٍ يا صاح.
مُنْذُ فَترةٍ ليست بِبَعيدة كُنتُ وصديقاتي نَتَكلمُ في مَواضيع شَتّى حتى رَسَت سُفُنُ الكلام في ميناءِ الحُب والعلاقات والقَصَصَ ذَاتَ العِلاقة، فإذا بإحداهنَّ تَتَكَلمُ عن أَحدِ معارفِها، فاسْتَهَلّتْ بِأنهُ دَخَلَ في علاقاتٍ كثيرة، وأحَبَّ الكَثير مِنْ الفتيات وأحَبُوه ، وخَاضَ غِمارَ البَناتِ خَوضا، حتى أتى العُمْرُ الذي قَرّرَ فيهِ الزواج، ذَهَبَ لِوالدتهِ لِيُخْبِرُها أنهُ يريدُ فتاةً دُونَ تَجارب سابقة ، ماضِيها كَصفحةٍ بَيضاء، أرادها كما وَصَفَها " قطوة مغمضة" ، وهكذا والدتهُ فَعَلت ، بَحَثَتْ عَنْ فَتاةٍ لا ماضٍ لها، وفعلاً وَجَدَتْ تِلْكَ الفتاة بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيد وبَحْثٍ كَثٍيف وتَمْحِيصٍ وتَدْقِيقْ وتَزَوّجَها وهو سعيد جداً بِحَظّه ، فَلَمْ يَمْضِي على زَوَاجِهُما العام حتى عَلِمَ بَلّ عَلِمُوا جَمِيعاً أنها كَلّمَتْ " شباب الفريج " أَجْمَع - كما ذَكَرَت صديقتي - ، صديقتي وهي تَنْقلُ لنا القِصة كانت مُبْتَهِجَة وسَعِيدة ، وكَأنّها تَقُول إنَّ اللهَ يُمهل ولا يُهمل، فَقَد كَذَبَ على كثيرٍ مِنْ الفتيات وتَسَلّى بِمَشاعِرِهن حَتى تَعَلَقَتْ القُلُوب وبَعْدَها، يَبْحثُ عَنْ تِلْكَ " القَطْوَة" على حَدِ قَولهِ.. فَيا سُبْحانَ الله! هنا تَذَكَرْتُ عبارة : "مَنْ لم يَتَزوجُ حَبِيبَته، تَزَوج حَبِيبةَ غَيْرِه". عِبارَةٌ كَالتي سَلَفَتْ طَرَحْتُها لا لِاُشَجِع عِلاقاتٍ كَتِلك، ولَكن لكي لا أُشجع الظُلْمَ الذي يَقَعُ في عِلاقاتٍ كَتِلك.
أَحدُ الزُملاء نَراهُ على علاقةٍ عاطفيةٍ هاتفية مع إحدى الفتيات، يُكلِمُها فِي كُلِ دَقِيقَة يَكُونُ هُوَ فارِغ فيها بحبٍ ووَلَه ، سَألتهُ إحدى الزميلات وكَأنّها تَجْهلُ العِلاقة: هل مِنْ المُمْكِنِ أن تَتَزَوج فَتاة عَرَفْتَها قَبْلَ الزواج، أَجابَ جواباً قاطعاً دُون أدنى تَفكير: لا، لم يُفكر زميلنا في جوابهِ لِثوانٍ بل قَطَعَ الَشكَ باليقين، تَألَمَتْ صديقتي لحالِ تِلْكَ الفتاة التي يُكلمها - ولها مِنْ اللومِ والعِتابِ نَصِيب -، قَد لم يَعِدُها بالزواج، لَيَكُونَ واضحاً بَيِنَاً مَعَها، ولِكن لِمَ تَتَهللُ المشاعرُ وتَرْتَبِطُ القُلوب وتُدْمِنُ النُفُوس والحالُ منقطع والغاية تسلية ودَغْدَقَة للمشاعر، ولكنها حَتْماً الدَغْدَقة الأليمة، لَيْسَتْ للفتاة وحَسب، ولكِنها للاثنينِ معاً..
بِغض النَظر عَنْ اللوم الذي يَقَعُ على الفَتاةِ التِي وَضَعَتْ نفسها في موضعٍ كَهذا، الأمرُ الذي حَيّرَنِي صَنْف جَدِيد مِنْ الناس، فَقَدْ شَهِدْتُ صَنْفاً يُؤمنُ بأن الغاية لا تُبَرِرُ الوسيلة، وشَهِدْتُ صَنفاً يُؤمنُ بِأن الغاية تُبَرِرُ الوسيلة، "بو الشباب" الذي يُكلمُ الفتاة وهو يَعلمُ أنهُ لا يُرِيدُها زوجة، مِنْ صنْفٍ غَريبٍ عَجِيب، فَهوَ لا غاية ولا وسيلة، فلا الغايةُ شَفَعَتْ لَهُ وَسِيلَتُه، ولا وسيلتهُ شَفَعَتْ لهُ غايَتُه.. فأيُ مَكارِم؟ وأيُ أخلاق..
دَفَعَتْنِي أَعْزُ صَدِيقاتي" بُشرى فقيهي" وهيَّ القَرّاءَة النَهِمَة، لِأن أقرأ كِتاب "عَصْرُ القُرُود" للكاتب مُصطفى محمود - رحمهُ الله رحمةً واسعة – وكانت أجمل عبارةٍ قرأتُها في ذلكَ الكتاب عبارة تَقُول " إذا أردْتَ زوجةً كخديجة، عليكَ أن تَكُونَ رَجُلاً كَمُحَمد". وقد قَصَدَ الكاتبُ إن كُنتَ تريدُ الإنسانة ذاتَ الخُلُقُ والدين فَكُن ذُو خُلُق ودين لِتَجِدَ مُبْتَغاك.
بَعضُ الغافلين مِنْ الناس يَظنُ أنهُ مَهما تَمادى فَلن تَدُورَ الدائرةُ عليه، قد لا تَدُورُ الدائرةُ عليه، وقد يَجدُ الزَوجةَ المَلاك وهو الذي صالَ وجَال، ولكِنَّ الدائرة قَدْ تَدُورُ على أَحدِ أخواته ، بناته أوحتى حفيداته ليُوقن أنهُ لن يُفلتَ مِنْ مبدء كما تُدِينُ تُدان.
لَعَلّ كَلِماتي هذهِ لَيست وقفة مع المرأة ضد الرجل ، فقد يَكُون النقيض، هي الإنسانة التي تَتَسلى وتَعْبثُ بِمشاعرِ الطَرف الآخر وهو المُخلصُ الصادق، ما أردتُ إيصاله عَزِيزي القارئ إنهُ تماماً كما تُدينُ تُدان ، ولو بَعْدَ حِينٍ وحِينٍ وحِين، فإياكَ والظُلم.

اللهم إنا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أو نُظْلَم .. اللهم آمين .



بقلم: رحاب شريف


الجمعة، 11 مايو 2012

"ريموتك " أينَ؟

تَدخلُ علينا ونَحنُ مُجتمعين وهي تُناضلُ مِنْ أَجلِ مُداراة دَمعاتها، مُطأطأةَ الرأس ، مُنحيةَ الكتفين ،وكأنَّ نِهاية العالم تلوحُ أمامَ عينيها ، وهي التي تَزَلْزلُ الأرضَ بالضحكاتِ والبَسمات، هي تِلكَ التي لديها مِنْ خِفة الدم ما تَجعلكَ لا تَمِلُ حَديثها لو استمرت بالحديثِ أيام وأيام. ولكنها! جَعَلَت سعادتها "ريموت كنترول" عند خطيبها. فَتحيا حَياةً وردية عِندما يكونُ راضياً ، وتَموتُ وهي عَلى قيدِ الحياة، وتُعكرُ صَفوَ مَنْ حولها جميعاً عندما يَكُونُ غاضباً.
أعرفُ إحدى الفتيات الرائعات، حافظة لكتاب الله عَزّ وجَلّ ، إيمانها عميق ، وطريقها مستقيم، تُحبُ إحدى صديقاتها بكمٍ كبير، وحجمٍ عظيم، مُرتَبطة بها ارتباط وثيق ، فنراها بابتسامة عريضة، تُرفرفُ من السعادة عندما تكونُ صديقتها التي تُحِب معها وعلى تواصلٍ ولقاء، وتَنقطعُ عن الدنيا وتُصاب بالأمراض التوهمية ، وتبدء رِيادتها للعيادات دُونَ مُسببات عضوية حقيقية ، فقط لأنَ تلكَ الصديقة جَفَتها ولَيست على مِنوالِ التواصل الذي تُريد. لاعَجَب، فَقَد سَلَّمَت "ريموت" سعادتها لتلكَ الصديقة وإن كانت تلكَ الصديقة على مستوى عالٍ مِنْ الخُلُقِ والدين ، والذمةِ والضمير..
أتذكرُ أحد الزملاء يعشقُ زوجتهِ بشدة ، فيكونُ صحيحاً مُعافى حينَ تكونُ زوجتهُ في مزاجٍ "رايق" ، ويكونُ سقيماً تعيساً وهي في مزاجٍ "معتفس"، فَكُنا نراهُ جميعاً في قمةِ الحال حيناً وفي قاعٍ من الحال حيناً آخر ، لا استقرار ولا هناء. فَبتْنا جميعاً نَعْرفُ متى تكونُ العلاقة في أَوَجَّها ومتى تكونُ في جحيمها.. كل ذلكَ لأنهُ سَلّمَ "ريموت" سعادته لزوجته.. فيكون في السماءِ طائراً حينما تكونُ راضية ويكونُ في المقابر زائراً  حينما تَكُون ساخطة.. فأيُ جحيمٍ .. وأيُ حياة؟
نُؤمنُ جميعاً أنَّ حياتَنا دمعة وابتسامة ، فلا حياةَ تَخْلُو مِنْ العبرات ، ولَيْست هناكَ حياة فيها السعادة مُجتمعة وكاملة ، ولن تكون هذه الحياة إلا في دارِ الخُلد، ودار الجنان. فَمِنْ الطبيعي أن تَتَأثر نفسية صديقتي المخطوبة إن مَرّتْ بِمشاكل مع خطيبها، تَتَألم وتبكي، ومِنْ الطبيعي أن تَتَألمُ تلكَ الفتاة الحافظة لِكتاب الله إن لم تَجِد التواصل الذي تُرِيد مِنْ أَعَزّ صَديقاتها، ومِنْ الطبيعي كذلك أن يَكُون زميلنا المُحِب لزوجتهِ في مزاجٍ سيء عندما لا يكون معها على وفاق ، ولكن الغير طبيعي أن يكون الارتباط ارتباطاً مرضياً* ، حتى إذا سَخَطَ  الطرف الآخر حيناً هَلَكْتْ وإذا رضا  مَلَكْتَ الدُنيا بِحذافِيرها.. فأيُ حياة لإنسان مَنَحَ "ريموت" سعادتهِ لإنسانٍ آخر بِمُنتهى الرضا ومُنتهى السعادة. فَيَشْتَكِي بَعدها الحالَ والأحوال، ولا علاج .. "فالريموت" بيد الطرف الآخر، يَستطيعُ أن يرفعهُ للسماء تارة ويجعلهُ مُرتطماً بالأرضِ تارةً أُخرى!
لَعلي بهذهِ الكَلمات لا أُعارض الحبَ والعطاء ، ولا أُعارضُ الزيادة في جرعة الحُب وكثرة الأشواق ، بل أنا مِنْ المُؤيدين للحُبِ المُطلق اللامشروط ، ذلكَ الحُب الذي يَجعلنا سُعَداء في كُلِ حين ، في الرضا وفي السخط ، في الوَصْلِ وفي الهَجْر ، فِي العطاء وفي المَنْع.. ولكني من المُعارضين لأُناس مَنَحُوا "ريموتهم " بيدِ الآخرين فَتَكونُ سَعادَتَهُم رَهِينَة بَينَ يديهم، وأكونُ بِذلكَ تَحتَ رَحمةِ شَخْصٍ مُعين أونَجاح تِجارة مُعينة ، أو فَوْز نادي رياضي مُعين أو أو أو...
مُنْذُ فترة لَيست بِبَعيدة كُنتُ استمعُ  لبعضِ القوانين الكَونية ، والتي كانَ أحدُها يُدعى "قانون الارتباط" ، قانون غاية في الروعة يُلَخْصُ الحديث الطويل في عبارة قصيرة،يَنصُ القانون أنْ لا يَرتبط الإنسان ارتباطا مرضياً إلا بالله عز وجل وتعريف *الإرتباط المَرَضي : هو الإرتباط والتَعَلُقُ الزائد عَنْ المُعَدَلّ الطبيعي .
لقد عشتُ زمناً قصيراً - لا رَدهُ الله - ارتبطتُ ارتباطاً مرضياً بأشياء عدة، درجاتي في مقررات معينة، حتى إذا حَصَلت على الدرجة التي لا أتمنى أبكي بُكاءَ الأرامل ، وتَنْهارُ أحلامي، وتَتَكالبُ علي المَواجع كُلها ،ارتبطتُ  بمدرسةِ اللغة العربية عندما كنتُ بالمرحلة الثانوية ، فأحْبَبْتُها حباً كبيراً وتَعَلّقْتُ بها تعلقاً شديداً، وهَيَ التي تَسْتَحقُ الحُب ، ولكن الارتباط كانَ مرضياً ، حتى إذا انشَغَلَتْ في وقتٍ مُعين ولم تُجيب على مُكالمتي ، يَتَحَطَم فُؤادي ، وأُصابُ بالأمراض كُلها ، وأُلازم الفراش وكأنني مُصابة بمرضٍ عضال ، أو عند مخاصمة أو مفارقة أحد الأحباء تتحول ابتسامتي إلى تعاسة أبدية وأكونُ قد دخلتُ زنزانةَ القُنوط السَرمَدِيّة، تَطولُ القائمة وتَطُول ، حتى عَلِمْتُ كَيفَ تَكُونُ سعادتي بَيْنَ يَدَيّ، وكَيْفَ يَكُونُ "ريموت" سَعادتي فِي جَيبي ،مُصاناً مِنْ الجميع ، حتى تعلمتُ أصول الحب المُطْلَق في مدارسِ الأنقياء ، فلا أنهارُ لِمخاصمة صَديق ، ولا أُبغضهُ ولا يُموتُ الحبُ في قلبي ، بل يَبقى الحبُ في كُلِ وقت ودونَ شرط ، قد أحزنُ نَعَم ، وأَبْكِي نَعَم ، لَكِنِي لا أَدْخلُ صومعةَ اليأس، ولا أرى نهايةَ الكونِ تَتَأرجَحُ نَحوي ، حَتى جَعَلتُ عبارة القرني " بقدر إيمانك حرارةً أو برودة تكونُ راحَتُكَ وسَعادَتُكَ وطَمأنِينَتُك "مِحوراً حياتياً.
 اليوم - والفَضلُ كُلُهُ لله - أعيشُ السعادة كُلها ، سعيدة في كُلِ حِين، وفِي كُلِ وقت ، سَعِيدة في أفراحي وأتراحي ، سَعِيدة بِبَسماتي ودَمَعاتِي ، سعيدة ولا أَقْبَلُ إلا أَنْ أكونَ كذلك.
اللهم زدني بكَ تعلقا ،وأجعل فؤداي منزلاً رحيباً لجميع خَلْقك، من أحبني منهم ومن بغضني... اللهم آمين.

بقلم:رحاب شريف
@rehabsharif

 وال law of attachment" ,hgعلى بعض القوانين الكونية ، والتي كانت أحدها قانون يُدعى قانون الارتباط "وصل وفي الهجر ، في العطاء وفي

الاثنين، 30 أبريل 2012

البخلاء والحب

مازلتُ أتذكرُتلكَ القِصَة الحقيقية التي قَرَأتُها والتي تَمَّ تَمثِيلِها وعَرْضها في دُورِ السينما،  قِصةُ أَحَد الأزواج الذي عَلِمَ مِنْ طبيبِ زَوْجَتهِ أنها مُصابة بِمَرضٍ عُضال وإنها سَوْفَ تعيشُ لمدةِ سنةٍ واحدةٍ فَقَطْ ، حينها لم تكن الزوجة تعلم عَنْ ذلك ، فَقَدْ حَرَصَ الزوجُ على تَكَتُم الموضوع ، تَبَدَلَ الزوجُ تبدلاً رهيباً ، فأصبحَ الزوج الرومانسي الرائع، الذي يَفْتَتَحُ نَهارهُ بِقُبلةٍ على جَبِينِ زَوْجَته، ويَخْتَتَمُ لَيْلَتهِ بِقُبلةٍ على يَديها، أَصبَحَ لِسانهُ معسولاً، فَلا تَكادُ تخلوا عبارة  من "حبيبتي " أو " يا حياتي" أو ماشابهَ ذلك مِنْ كَلِماتِ الحُبِ والوِداد والرَحمة. كانَ يَمْنَحُها ما كانَتْ تَتَمَنى طوالَ حَياتِها مِنْ هَدايا، وكَانَ يَتَفَنَنُ فِي مُفاجَأتِها وتَقديم الهدايا لها. حَتى مَرَّ العام ، وذهبا إلى الطبيب كمراجعة عادية ليُصدم الطبيب أنها تشافت مِنْ المَرض تماماً! حينها قُلتُ في نَفْسِي :صَدَقَ مَنْ قال أن الأمراضَ العضوية هي أصلها نفسية.عَزِيزِي الزوج، إن كُنتَ تَملكُ تِلكَ المَواهِب كُلِها فِي إظهار المَشاعِر لِزوجَتِك ، والفَن العَظيم في تَقدِيم الهدايا وصِياغة العِبارات والقُبَل، لِمَ بَخَلْتَ عليها طِيلةَ أيام زَواجكم التي مَضَتْ؟، ما فَعَلْتَ ذلكَ إلا حِينَما أدرَكْتَ أنَها مُغادِرَة دُونَ رَجعة. فأيُ بُخلٍ هذا؟ وأيُ نوعٍ مِنْ البُخَلاءِ أَنْت؟
حَكَتْ لي صَدِيقَة سُعودية مَرّة ،والتي قَدّرَ الرحمن أَن أتَعَرفَ عليها فِي رِحاب الحَرم المَكي ، أن زَوج أُخْتها الكُبرى لم يَقُل لها كَلِمة حُب واحدة طَوالَ حَياتِهم الزَوجِية، حَتى لَحظة الوَداع وهَي تَحتَضِرُ مِنْ سَرَطان عَانَت مِنهُ سَنوات عَديدة - حَفِظَ اللهُ الجَميع مِنْ سائرالأسقام- ، صَرّحَ فِيها الزَوج السُعودي بِأنهُ لن ينساها وسَيَبقى يُحِبُها، بَينما كانَت - رحمةُ اللهِ عليها - تَشْتَكِي طَوالَ حَياتِها مِنْ فُتورٍ الارتباط، وجُمُودِ العلاقة وجِدِّيَتِها، ورَغْبَتَها فِي سَماعِ كَلِمَةٍ رَقِيقَة كَما فِي الأفلام ،كَأَن تَسمَع " أُحِبُكِ " فِي نِهايةِ المُكالًمة ، بَدَلاً مِنْ أَن تَسْمَع "طووووووط" حيث كان يُغلقُ السَمّاعة مُباشرةً  بَعدَ أَن يُرَتِلُ عليها الأوامر والنواهي ، دُونَ أن يُكَلِفُ نَفْسَهُ حتى بَأن يَخْتِم المكالمة بِ :"مَعَ السلامة".مازلتُ أتذكرُ مَلامِحَ وقَسَمات صَدِيقَتِي حِينَ يَمَمَتْ وَجْهَهَا نَحْوَ الكَعْبَة وهَي تَبْكِي وتَدعِي لأُخْتِها، التي لَمْ تَرى الراحةَ ولَمْ تَشعرُ بِالسعادةِ فِي كُلِ أَطوارِ حَياتِها. فَلِمَ البُخل فِي البَوْح؟ ولِمَ البُخْل في التَعْبِير، ولِمَ الحِرْص على عَدَم إظهار المشاعر؟ حتى ما إذا تَمّ الإفْصاح يَكُونُ ذلكَ في لحظةِ الانتقال مِنْ الحياةِ الدُنيا إلى الحَياة الأُخرى، ويَعْلَم اللهُ إن كانَت قَدْ اِسْتَطاعَتْ هذهِ الزَوْجَة تَلَقِي تِلْكَ الكَلِمَة وهَي فِي مَرحلة تَحَشْرُج الرُوح! فأيُ بُخلٍ هذا؟ وأيُ نوعٍ مِنْ البُخَلاءِ أَنْت؟  
المُؤلم أن هُناكَ أشخاص في الحياة ، حين يَصيحُ هاتفهم الجَوّال ويكونُ المُتَصل هِي الزوجة/الزوج ، فإن المَلامِح تَتَشَقْلب، ويَرِد بِطريقةٍ فاترة وكَأنَهُ قَد شَرَبَ الحَنْظَلَ المُرّ، ولا داعي أَنْ أذكُرُ لكَ الترحيب الشَدِيد والتَهليل الطويل حين يكون المُتصل صديقاً.. فَكَيْفَ ولِماذا ولِمَ؟ أَوَلَيْسَ الأقرَبُون أولى بالمعروف ، أَوَلَيست المُعاملة الحَسَنة أُولَى دَرَجات المعروف..فأيُ بُخْلٍ هذا؟ وأيُ نَوعٍ مِنْ البُخلاء أنت ؟
أُستاذِي فِي الأَدَب ، رائعٌ جداً ، عَلى مُستَوى عالٍ مِنْ الدِين والخُلُق، يُحِبُ زوجتهِ حُباً جَماً، يَتَفَنَن بِكُلِ الطُرُق في تَعْبِير الحُب لِزَوْجَتهِ ولا يَحُول بَيْنَهُ وبَيْنَ التَغَزُلِ بِها أيُ أمر، بَل ويُبْدِع في ذلك ، بِقصائِدهِ ونَثْره ، وخَوَاطِرهِ ، وحتى كَلماته العامية البسيطة ، ومؤخراً عَلِمْت أنهُ هُوَ صاحب كلمات نشيدة " زوجتي " التي أنشدَها المُنشد "أبو خاطر" والتي انْتَشَرَت انتِشاراً كبيراً، وعَرَفَ هذهِ النشيدة القاصِي والدانِي. ولا عَجَب فكلماتهُ الصادقة لزَوْجَتِهِ تَسْتَحِقُ الانتشار والنَجَاح. حَفِظَ اللهُ أُستاذِي فِداء الجندي ،لَهُوَ الرجل الكريم ، كَريم الأقوال والفِعَال..
الكلماتُ الجميلة الرَقِيقَة ، هَي بِمثابة البَلْسَم الشَافِي، مَهْمَا تَوَتَرَت العِلاقَة ومَهْمَا تَكَالَبَتْ عَليها المَسْؤُولِيات ومَهْمَا عَانَت مِنْ المشاكل المادية. الكلماتُ الحَانِية كَلِماتٌ مجانية، تُجَمْلُ العلاقة وتُبَعْثِرُ آلامها وتُشَتِتُ مَشاكِلها، ناهِيكَ عَنْ الأجرِ العظيم ، فَتلكَ هي الكَلِمَة الطَيِبة التي لا تَتَنافى مَعَ الأديانِ كُلِها والمَذاهِبِ جُلِّها، ولا تُناقِضُ الأخلاق فِي كُلِ بِقاعِ العالم، لها مَفْعُولَها السِحري ، وأَثَرها العَمِيقْ.
يَظُنُ البَعَض ، أَنَّ ذَلك دليلُ قوة ، حِينَ يَكْتُمُ مَشاعرهُ،ويُغَلِفُ فُؤادهُ بِغِلافِ الفُتُور ويَصُونُ لِسانهُ مِنْ كُلِ كَلامٍ لَيّنٍ حَانِي، جاهلاً أنَّ فِي ذلكَ ضَعفٌ شَدِيد وبُخْلٌ عنيف. لَعَلِي مِنْ المُوقِنِين أَنَهُ لَوكانَ الجاحظُ فِي زَمانِنَا لَألَّفَ كِتابهُ البُخَلاء مَرةً أُخرى ، ولَكنهُ فِي هذه المَرّة لَن يَذكُر لنا قَصَص بُخلاء الدَراهِم والدنانِير، وَلكنهُ سَيَذْكُر قَصَص بُخَلاء المَشاعِر، فَهُم أَعْظمُ دُنواً مِنْ بَخيلِ الدرهم والدينار.
اللهم باعِد بَينَنا وبَيْنَ البُخل كُلِه كَمَا باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرق والمَغرب.. اللهم آمين..




بقلم: رحاب شريف
@rehabsharif

الاثنين، 23 أبريل 2012

مقال: وَما أَدْراكُم مَنْ مَنصُور؟


"مَنْصُور" أَحَدُ الآسيَويين الذِينَ يَعْمَلُون فِي أَحد البَقالاتِ الصَغِيرة فِي زِقْاقِ المَنْصُورَة بِالدَوْحَة، كُنا نَسْكُنُ بِمَسْكَنٍ بَالقُرب مِنْ بَقالَته، فَكانَ ايُ احتِياجٍ نُرِيد، نَحْصُلُ عَليهِ بِمُنْتَهى السُرعَة ومُنْتَهى الجَوْدَة، إضافة إلى بَسَماتٍ إيجابية "مجانية"، فَكانَ يَبْتَسمُ ابتِسامَةً أكادُ أَجْزُمُ أنها الأكثَر تفرداً وعمقاً بَيْنَ البَسَماتِ أَجْمَع. يَحْفِظُ أسماءَ المُحِيطِينَ جَمِيعاً، بل ويُلَقِبهم بألقاب تَرفعُ معنوياتهم ، فمثلاً يُلقبني ب" مُدير " ويُلقبُ أحدهم ب " أستاذ كبير" و آخر " إنسان واجد زين ". لا يكرر منصور الألقاب ويَحفظُ الوُجوه، وعندما يَراكَ مِنْ بعيد يَرتفعُ صوتهُ وهو يَذْكُرُ اللًقب الذي خَصَصَهُ لَكً ،بِسلامٍ حار وبِبَسمات لو وُزِعَت على أَهلِ الأرضِ لَكَفَتْهُم.
انتقلَ بعضنا بَعد زمنٍ إلى حَيّ آخر بِمَنطقة أُخرى،وتَفاجَأتُ مُنذ فترة وجيزة أن جميعنا مازالَ يَتَرَدَدُ على نَفْسِ البَقّالة ، رَغْمَ أنها تَبعدُ عن المَسكنِ الجديد بعضَ الشيء! ورَغمَ تَواجد البَقّالات بِالقُربِ مِنْ السَكَن الحالِيّ، وعِنْدَما يَصِلُ أحَدُنا إلى البَقالة و"يطق هرن" فَورَ وُصُولهِ لَيَطلب طلباتهِ مِنْ مِقْعَدِهِ بِالسيارة وهُوَ فِي آخر مَراحِل الراحة ، فَيَخْرُج لَهُ آسيوي آخر غير " منصور" يَسْألهُ عَنْ طَلَباتِهِ ،يُجِيبهُ على الفَور "وين منصور؟ ناد لي منصور" ، ظَنَنْتُ أنني الوحيدة في هذا التصرف حتى الأُمس القريب ، إلى أن عَلِمْتُ مِنْ حَدِيثٍ مُتشعب أن الجَميع يَفعَلُون الفِعْلَة نَفْسها.
منصور، ذلكَ الآسيوي البَسِيط ، الذي لا يتجاوز مُرتبهِ ال700 ريال قطري، يبتسمُ الابتسامات المُتَلألئة ، والتي لا تَنُمُ عَنْ ابتسامةِ هُولِيوُود ، وإنما تَنُمُ عَنْ جَمالِ العُمْقِ والرُوح، والتفاؤل والسِعَة ، والبَساطة والإيجابية. عندما أودُ أن أشرع في بَدء طلباتي ،أسألهُ بَعدَ إلقاءِ السلام ، " شلونك منصور؟ " ، يُجِيبُنِي :" أنا واجد واجد واجد زين مُدير ". لَستُ أدري لِمَ يُلقبني مدير! قد تكون النظارة الطبية التي ألبس قد أوحت له بذلك وقد لا تكون، رغمَ أني لَستُ مُدير ولا "بطيخ".
منصور لا يَملكُ حساب في مصرفٍ مُعَين ، ولا يَمْلِكُ سيارة بورش أو بي إم دبليو أو حتى كورلا، وأشك إن كانَ يَملكُ حتى دراجة هوائية مُستخدمة . منصور لا يلبسُ الرولكس المرصعة بالألماس، وقد لا يملك ساعة من أصل. وشهادتهُ ليست بكالوريس أو ماجستير أو يزيد، وأشكُ إن كانَ يَحملُ شهادة الثانوية أو حتى الاعدادية، ولكن منصور.. ومايُدرِيكُم مَنْ منصور ! يَملكُ سلاماً داخلياً فاضَ حتى أغرقَ به جميع مَنْ حوله.

يستغرب من يحادثهُ لِثوانٍ فقط مِنْ بَسماتهِ وإيجابيتهِ وسرعة خدمتهِ وحتى جودتها .. منصور أضافَ إلى الحياة رونقاً وبهجة ، أضافَ إلى عملهِ البسيط قيمة عظيمة ، أضافَ لِجميع عُملائة شحنات إيجابية تُدهشه للوهلةِ الأولى وللوهلةِ الثانية والثالثة، ومابعدها.
ما يُدهشني عندما أسألُ الناس" كيف الحال" ؟ تتفاوت الإجابات في مقاديرها فالبعض يُجيب: "الحمدلله.. ماشي الحال"، وهناك من يجيب ب :Not Bad"" وكأنه سوف يُقْبَرُ بَعْدَ قليل، وهُناكَ فئة تجيب بامتعاض : "في الدنيا" . وهي تُشير بِيَديها وتُلَوِحُ  للأسفل ، وكأنها في عالمٍ أسودٍ مُظلمٍ بل حالكٍ دامس. وهناكَ قلة نادرة جداً تلكَ التي تَبْتَسِمُ إبتسامة غزيرة فَتُجيب : "عال العال والحمدلله". حينَ أسمع الاجابات  السلبية من اُناسٍ مَلَكُوا الدُنيا بينَ أيديهم ولكنهم لم يَمْلِكُوها فِي قُلُوبِهم أَقولُ في خُلْدِي : أينَ أنتم مِنْ منصور الذي ملك الدنيا في قلبه ولم يملك ذرة منها بين يديه.
منذُ فترةٍ بسيطة التَقَيْتُ بإحدى الصديقات ، فإذا بها في حالةِ ضيقٍ وكَدَر فَسَألْتُها مُبادرةً : "سلامات ، عسى ماشر؟" فأجابت وهي ترفع كتفيها تُشيرُ بأنهُ لا شيء.. بعدَ وقتٍ وَجِيز مِنْ سُؤالي أخبَرَتنِي " كُلُ شيءٍ على حالهِ لم يَتَغَير، أنا كما أنا ، مَلِلتُ مِنْ الحياة نفسها.." رغم أنها في رَغدٍ ونَعيم والدُنيا بينَ يَديها تَعُوم، لكِنَّ السعادةُ هاهُنا >> في قَلْبِك ، وبَيْنَ جَنبيك.
قرأتُ في أحدِ الكُتب المُترجمة مُنذ فترةٍ مِنْ الزَمَن ، عِنْدما يَسأَلُكَ أَحَدُهم كَيفَ الحال؟ فَأَجِب على الفَور : لو كُنْتُ أَسْعَدُ مِنْ هذا الحال لَمَلِكتُ الدُنيا ، بِكلماتٍ أُخرى : عال العال والفضلُ لله، فعَلِمْتُ حقاً إنهُ حتى وإن لم تَكُن فِي غايةِ السعادة ، فإنَّ هذهِ الكلمات تُؤكد خُطاكَ على دربِ الامتنان ، فَتَسْتَشعِرُ كُلَّ جميلٍ تَمْلكهُ، فَتكُونُ حِينها مِنَ السُعَداء أُولئكَ الذينَ هُم مُمْتَنِينَ للمَوجُود ، الذينَ لا يَبْكُونَ المَفْقُود،فَيَزِيدُهُمُ اللهُ بِعطاءٍ لا مَحْدُود.
اللهم لَكَ الحَمد حمداً عظيماًعلى جميعِ النِعَم بَسِيطها وعَظِيمها .. ما عَلِمنا مِنْ تِلْكَ النِعَمْ وما لَم نَعْلَم.

رحاب شريف
23 ابريل
@rehabsharif

الأربعاء، 18 أبريل 2012

قصيدة: أَمَلْ





أَليسَ المَمَاتُ مَمَاتَ الأمَلْ
                           وقتلُ النفوسِ قُبيلَ الأجلْ
أليسَ الأنينُ أنينَ الفراق
                          فبئسَ الفراقُ إذا ما استَحَلْ
وبئسَ الذي خانَ عَهْدَ الوِصالْ
                           فَلا صانَ عهداً وَلا قَدْ وَصَلْ
ومَاحِيلةُ الصَبّ كَيفَ يعيشُ؟
                            وكَيفَ يَعيشُ بِهَجْرٍ جَزَلْ؟
فَمازالَ  ذاكَ الهَوى لَمْ يَزَلْ
                            بِبَسْمِ الثُغُورِ وَدَمْع المُقَلْ
يَصِيحُ بِصمتٍ ألا مِنْ مُجِيب
                             فكُلي اشْتِياقٌ وكُلِي أَمَلْ

          

رحاب شريف
15 ابريل


                              "بحر: المتقارب "

الاثنين، 16 أبريل 2012

مقال: "ولكنها قبيحة!"


دَخلَ رَجلٌ مكتبَ البريد، فرأى طابوراً من الناس، أخذَ يراقبُ الأجواء ليُدرك سببَ الزحام، فلاحظَ أنَّ موظفَ البريدِ متجهمٌ عابس ، يعملُ ببطىءٍ وملل ، فأدركَ سبب بطىء حركة الطابور نحو الشباك.
وقفَ الرجلُ في الطابور حتى وصلَ إلى الشباك، ليعطي موظف البريد الظرف المراد إرساله مع دراهم معدودة قيمة الطوابع ، فتأملَ الرجلُ شكلَ موظف البريد ، فأعجبه ُشعرهُ الأسود الكثيف ، فأخبرهُ : " ليتني امتلكُ مثلَ شعركَ الأسود الناعم اللامع "، تَغيرت حينها ملامح موظف البريد، وأسعدهُ الثناء ، حتى كادَ أن يطير دونَ جناحين، تَعَمَدَ الرجلُ البقاءَ في مكتبِ البريد ليُراقب الأجواء ، فلاحظ أَنَّ الطابور غدا مسرعاً وأن البطىء والملل الشديدين عند موظف البريد انقلبا إلى ابتسامة وهِمّة. فَسُبحان مَنْ قَلَبَ الملل إلى هِمّة والعبوس إلى بسمة!
كانت هذه القصة من القصص التي قرأتها منذ ستة عشر عاماً في كتاب "كيف تكسب الاصدقاء وتؤثر في الناس" لديل كارنيغي، حيث كنتُ حينها بالصفِ الخامس الابتدائي، بادىء عهدي بالقراءة.
أَضحَتْ هذهِ القصة قانون أساسي في شخصيتي، أبحثُ عن كل شيء جميل لأمتَدِحَه ، فأُسْعِدُ صاحبه.
من المُضحك أنني باشرتُ في تطبيق القانون في ذلكَ العمر، حينها كنتُ في بيت جَدَتي ، ذلكَ البيت الذي لا يَخلُوا أبداً من الضيوف، وكانت هناكَ امرأة نُسميها "خالة فلانة"، احتراماً لعُمرها ، بحثتُ عن شيء جميل بها فلم أجد غير شَعرها الناعم والذي لم يكن لامعاً أو حتى كثيفاً ،كما في قصة البريد بكتاب كارنيغي، فأخبرتُها ببراءة وإيجابية : "شعرج ناعم خالة فلانة ". فوضعت يدها على شعرها وصَرَخت بغضب: "قولي ماشاء الله لا تعطيني عين ".فقلتُ في نفسي :"الحمدلله والشكر"، ووضعتها في القائمة السوداء مباشرة.
حينها كنتُ طفلة، لا اقرأ الناس ولا اختار الألفاظ ، وأحاولُ التأثير باستخدام طريقة "نَسْخ لَصْق"، فلو تَكَرَرَ الموقف اليوم معي وَ وَدِدْتُ أن أُسْعد امرأة كَتلك، بِمديحٍ صادق لَكانت العبارة: "ماشاء الله خالتي شعرج ناعم، تبارَكَ الرحمن". فهناك عقليات تُؤمن بأن كلَ خدش يُصيبهن مَنْ العَيْن، دَون استثناء. حَفِظَنا اللهُ مِن الخُدوش العقلية.
عندما كنتُ في الجامعة ذهبتُ مع احدى صديقاتي إلى أحد الأفلام السينمائية، وعندما انتهى عرض الفيلم دخلتُ أنا وصديقتي الخلاء "كرمكم الله" لتضبيط وضعية "الشيلة" ، وفي هذا المكان نرى أشكال البنات كُلها وألوانهم. فَبًهرًني وجهٌ كالقمر، فتاة يصرخُ الجمالُ من وجنتيها، ذاتَ شعر كثيف وتقطيعة رائعة،"مصممة آنا على سالفة الشَعَر". فقلتُ لها دون تَصَنُع أو ترتيبٍ للكلام:"ماشاء الله، شعركِ جميل جداً جداً" ، فتلونَ خدها الأبيض بلون الخجل وقالت لي بسعادة عارمة : " مشكورة من ذوقج ". ثم هَمِمْتُ بالخروج وأنا أُلاحظ غَضب صديقتي ، ما إن وَطئت قدماي خارجُ المكان فإذا بها تصرخُ في وجهي والشرار يُشعشعُ من عينيها ، " فشلتينا رحاب شفيج متخرعة؟ الحين بتجوف روحها" ،أجبت: "بالعكس كانَ شَعْرُها جميلاً فأبديتُ إعجابي ، كنتُ اُعبرعن ما يجول في خلدي بصوتٍ مسموع ليس إلا"، ونَصحتها بقراءة كتاب كارنيغي". لأسمع منها ما أسمعهُ من غالب الناس : "صج متفرغه".كم ادركتُ جمال هذا القانون،وكم أشعرُ أنني أنشرُ السعادة وانا أُطبقه، فأنا بتطبيقي لهذا القانون لا أكذب ولا أجامل ولا أبالغ أو حتى أتكلف ، ولكني أذكرُ واقعاً جميلاً بصوت مرتفع بدل من أن يكون "سايلنت".
لبثتُ كذلك في كُلِ حِينْ ، حتى في مرضى امتدحُ الممرضة بصدقٍ تام، لأرى الاهتمام تَضاعَف،والعِناية تَكَثَفَت، والإبتسامة ارتَسَمَت. فسبحانَ الله! وكأني أملكُ قلماً أرسمُ به البسمات على وجوهِ الآخرين بكلماتٍ إيجابيةٍ ،بسيطةٍ ،صادقةٍ ومجانية!
أحياناً امتدحُ بعضَ الأشخاص في مغيبهم، فأتفاجأ بالسامع يقُاطعني ب:"ولكنها قبيحة" ليذكرُ ما يُعيبها خَلقا أوخُلقا، مركزاً على الناقص،مُتجاهلا الجميل والحَسَنْ.قلةٌ قليلة تستطيع أن تستمع إلى المديح دون أن تقول :"ولكن" فتذكر الجانب السيء بعد لكن لتُغرب وتُغدق في الذم والهجاء. والقلة التي تكادُ تكون معدومة، تلك التي  تستمعُ لمديح "فلان"  ل"علان" في غيابهِ فتضيفُ إلى مديحِهِ مديحاً آخر.
 جَميعُنا كَالقَمَر، لهُ جانبٌ مُظلم.نستطيع دائما أن نَجد ما يُقال بعد "لكن"، لأن الكمال للفرد الصمد، ولكن!أيُ سلبية وأيُ ابتذال.أما بَلَغَت فينا القدرة التي تُوصلنا أن نَستَبدل كلمة "ولكن" بكلمة :" كذلك" ، فنضيف الى المديحِ مديحاً،وإلى الثناءِ رونقاً ، وإلى الإيجابية نوراً وألقاً وانتعاشاً.
لنأخذ ما صفى من الناس ونترك ماكدر. ولنكن من أهل "كذلك" بالكلمة الطيبة في الحضورِ وَفي المَغِيب، تلكَ الكلمة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.

رحاب شريف
 16ابريل
@rehabsharif

الأربعاء، 11 أبريل 2012

مقال: في الجيب

عندما كنتُ في المدرسةِ الإعدادية ، كانت والدتي تعملُ بجامعةِ البحرين، فَذكرت لي يوماً موقف إحدى الطالبات والتي تَخَرَجَت مِن الثانوية العامة بنسبة 87.6 ، والتي ترغب بالتخصص في مجال معين بالجامعة لكن معدلها لم يسمح لها بالحصولِ على ما تُريد، فالتخصص الذي تريدهُ يتطلب معدلاً يفوقُ ال 90%. فقاطعتُ أمي مُتَعجبة :" كيف تقدر تطيق روحها ومعدلها أقل من 90%"، ردت علي أمي ووجهها قد تلونَ بألوانِ الغضب : "قولي الحمدلله والشكر" وانصرفت وهي تقول : "الله يعلم إيش كانت ظروفها"، وصادفَ أن حَصلتُ - لظروفٍ جَبّارة - على نفس المعدل في الثانوية العامة وبالدقة النسبية نفسها ، رَغم أني عشتُ حياتي المَدرَسية كُلها بإمتياز بل وبتَفوق. لا عَجبَ سيداتي سادتي : فالعيب في الجيب .
خالتي لها حس فكاهي اشتهرت بهِ ، ما تكادُ تَتَكلم إلا وضَحكَ الجميعُ مِمَن حولها، في ذات يوم كانت تقضي فيهِ بعض المشاوير معَ جدتي الحبيبة، وهما معاً ما إن شَرَعَت خالتي في التعليقِ على سياقتي التي لا تُعجبها بتاتاً ، والتي وَصَفَتها بِسياقةِ " المَجانين". وما كادت أن تَنتَهي مَن كَلامِها إلا وصَدَمَت أَحد الأرصِفة ، وتَلتها بعدَ قليلٍ بصدمةٍ أُخرى ، وماوصلوا إلى غايتهم حتى وَصَلت بذلك الصدمات الثلاث. حتى عَلَقت جَدتي بمقولتها المشهورة : "العيب في الجيب".
زَميلتي في العمل عَلَّقَت غيرَ قاصدة على زميلٍ لنا بالعمل بأنهُ صاحب قلبٍ مَيت ، يَنسى كثيراً وقد تَختَلط عليهِ الأُمور، فإذا بها في اليومِ التالي مباشرة تنسى أحد الاجتماعات الهامة حتى تذكرتهُ قبلَ الموعد بقليلٍ جداً، وتَنسى أَنَّ لديها مقابلة شخصية لَدى إحدى المؤسسات الكبرى التعليمية بالدولة ، وتَتَابعت عليها الأمور وتَعَقَدت ، رَغم نِظامها الشديد، ودقتها البالغة وتخطيطها المتناهي .عندما عاودت العمل اخبرتني وزميلنا عن ما جرى لها فَعَلِمْتُ حَتماً أنَّ ذلكَ كله فقط بسبب تعليقها عليه يوم أمس، رَغم أن التعليق لم يكن غيبة بَل كانَ أمامهِ وبحسٍ فكاهي ، ودون قصد أبداً، ولكنهُ في الجيب.
الغريب في الأمر أن هناكَ أحياناً تعليقات تأتي عجباً من أمر ما ، فالفطرة البشرية تَمرُ بقممِ الاستعجاب ، وسحاب الاستنكار ، ولكن العقاب مدفونٌ لا محاله، ما إن تنطق بالحرف حتى يقوم العقاب من قبرهِ كَالجنيّ الأسود. وكَأنَّ القانون أن لا تستنكر أو تستغرب سراً او جهراً ، ولا تغتب أبداً لأن المصيبة ستكون أعظم والعقاب سيكونُ أشد وأشد.
ابن صديقتي الصغير : "الياس" في الصف الأول الابتدائي ، ما إن يَسمَعُني وأمه نَتجاذب أطراف الحديث ويدركُ أن هناكَ تعليقات هنا وهناك حتى يأتي بكامل قوى أحبالهِ الصوتية ليصرخ في وجوهنا : "لا تعيبوا فَتُعابوا ". فَتَتَجَمد ملامحنا خوفاً وندماً. لستُ ادري من أينَ التقط الياس هذه المقولة التي تعني تماما مقولة " العيب في الجيب" ولكن ما أدريهِ حتماً مدى صدق هذه المقولة.
لَعلَّ كل مَن  يقرأ كلماتي يستحضرُ مَوقفاً معيناً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعيب و الجيب، وما إن تتراقص شفتيهِ بذكر تعليق مُعين حتى يَخرجُ العيبُ من الجيبِ مُتجلياً ليهمسُ في أُذُنيك كالشيطان الرجيم :"لا فِرار". حينها وكأن لسان حاله يقول : " ياليت الذي كان لم يكن". فمن الأمثل أن لا نغض الطرف عن " لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيعافيهِ اللهُ ويبتليك " أو " من عيّر أخاهُ بذنبٍ لم يمت حتى يعملهُ".
لقد تعلمتُ درس العيب والجيب جيداً، ولكني دفعتُ ثمنهُ باهظاً،  ثمن كَلفني أن أخجل حياتي كُلها من معدل الثانوية العامة.
اللهم اشغلنا باصلاحِ عيوبنا وثبتنا على طاعتك..
اللهم آمين..
رحاب شريف
11 ابريل
@rehabsharif