الثلاثاء، 19 يونيو 2012

الفيل والنملة

كنتُ منذ فترة في حوارٍ مع الكاتب "مصطفى فرحات" ، فَتَشَعَبَ الحديثُ معهُ تحتَ مظلة الثقافة  والأدب، حتى طَفقَ يُكلمني عن عَلَمٍ مِنْ أعلامِ الفِكْرِ والأدب " محمد البشير الإبراهيمي"، فقد أخبرني أنهُ ما بَلَغَ التسع سنين مِنْ عُمرهِ حتى كانَ قد حفظَ القرآن مع فهم مفرداته وغريبه.
وكانَ قد حَفِظَ معهُ ألفية ابن مالك، ومعظم الكافية له، وألفية ابن معطي الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، و الجوامع في الأصول، وتلخيص المفتاح للقاضي القزويني، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب، وأنه حفظَ  الكثير من شعر أبي عبد الله بن خميس التلمساني شاعر المغرب والأندلس في المائة السابعة، وحفظَ معظم رسائل بلغاء الأندلس مثل ابن شهيد، وابن برد، وابن أبي الخصال، وأبي المطرف ابن أبي عميرة، وابن الخطيب.
ثم أسهَبَ أنهُ حفظَ صدراً من شعر المتنبي، وصدراً من شعر الطائيين، وحفظَ ديوان الحماسة، وحفظَ كثيراً من رسائل سهل بن هارون، وبديع الزمان وحفظَ كتاب كفاية المتحفظ للأجدابي الطرابلسي، وكتاب الألفاظ الكتابيه للهمذاني، وكتاب الفصيح لـ: ثعلب، وكتاب إصلاح المنطق ليعقوب بن السكيت، حفظَ كل ماسلف ولم يبلغُ مِنْ العمر إحدى عشرة سنة!
 كنتُ استمعُ إلى الكاتب مصطفى وهو يُعددُ لي ما حفظ محمد البشير - لا ما قرأ - مِنْ كتبٍ ودواوين ووجهي كُلهُ متلون وقسماتي كُلها مُتَشَقْلِبَة، فرجل كَمحمد البشير مِنْ وفيات الستينيات، 1965 م تحديداً، وتعليمهُ الكثيف يُذَكرني بِعَهْدِ الأئمة والتابعين، و الأندلس الرغيد، فعندما سَمِعْتُ ما سَمِعُت احتقرتُ ذاتاً مجدتها  ، حتى ادركتُ الفرق الشاسع ،فقد كنتُ أفخرُ بنفسي لأني عندما كنتُ بالخامس الابتدائي قرأتُ كتب ديل كارنيغي وفي السادس قرأتُ كتب المنفلوطي. أما في المرحلة الاعدادية فقد بدئت سلسلة توفيق الحكيم والرافعي وبعض من كتب العقاد ولخصتُ الموسوعة العربية الميسرة بجزئيها وكتب ودواوين من هنا وهناك وأنا لم أبلغُ المرحلة الثانوية بعد، وكنتُ سعيدة جداً ومفتخرة بتاريخي وكأني الفتاة الغريبة العجيبة بين الأنام، حتى سمعتُ سيرة محمد البشير الإبراهيمي.
"إيهاب مدحت" أحد الأشخاص الذينَ تعرفتُ عليهم في مجموعة سلام- الدوحة، فَعَلِمْتُ منهُ  أنهُ بَدَءَ القراءة في كتب كارنيجي والفقي وغيرهم وهو في المرحلة الثانوية ، كانَ إيهاب فخوراً على حدِ قولهِ بتاريخهِ التليد حتى عَلِمَ عن تاريخي في القراءة، المُضحك إننا نحنُ معاً – وجميع من يندرجُ تحتَ المظلة نفسها – "عاملين ديك وسط فراخ " ، نُقارنُ أنفسنا بالفارغين ، الذين لا يقرؤون البتة ، فنكونُ نتيجة تلكَ المقارنة الجبابرة والعمالقة في الفكر والقلم ، وإذا أردتَ الواقع فالواقع ليس كذلك أبداً.
قرأتُ منذ فترة مِنْ الزمن مقالاً للشيخ علي الطنطاوي رحمهُ الله، فكانَ يتضمن سؤالاً عجيباً، إذ يقول إذا سألتكَ عن العصفور أصغير أم كبير؟ فإن قُلتَ صغير ، قُلتُ: أقصدُ نسبتهُ إلى النملة، . وإن قلتَ :كبير . قُلتُ : أقصدُ نسبتهُ إلى الفيل. فالعصفور كبير جداً معَ النملة وصغير جداً مع الفيل. المؤسف أن  الغالبية منا يرى تاريخهُ تاريخاً تليداً وعطاءاتهُ وقراءاتهُ عطاءات متميزة وهي اليسيرة المتواضعة. السؤال الآن عندما أطلقتَ الحُكمَ على نفسك، أكانَ نسبةً إلى الفيل أم إلى النملة!
علمتني والدتي حفظها الله ورزقني بِرَّها، أن أقارنُ نفسي في العلومِ والتقوى دوماً بمن هم أفضل مني  وأن أقارنُ نفسي في المال والجاه دوما بمن هم أقل مني شأناً  وأسوء مني حالاً.لقد سمعتُ سيرة محمد بشير وأدركتُ الفارقَ الجَلِيّ، هوَ: حفظَ كلَ ما سلف من أمهات الكتب ولم يبلغ الحادية عشرة سنة من عمره ، نحنُ: قرأنا شذرات من الكتب ونحن في عمرٍ متقدمة، هوَ: حفظَ القرآن كُله ومفرداته وغريبة ولم يبلغ التسع سنين. نحنُ: لم نحفظ القرآن بعد ، هو: بلغَ العناء مَبلغهُ لنهلِ العلوم الغزيرة ، نحنُ نتلقى العلوم البسيطة ونحنُ على الأرائك. هو : الفخرُ لأولادهِ وأحفاده . نحنُ : نبحثُ عن الفخر في أسماء العائلات البَرّاقة والقبائل الممتدة الأصيلة.هو : سَطَّرَهُ حاضرهُ وهو موجود وتاريخهُ وهو في عداد الموتى، نحنُ: لا سَطَرَنا الحاضرُ ولا الماضي.
لَعَلَ نماذج محمد البشير الإبراهيمي عديدة  على مر العصور، قارن نفسكَ بأيِهم أردت، لا يَهُم، الأهم أن تقارن نفسكَ في العلوم والتقوى بالفيل لا النملة، لتَتَقِدُ الهِمَمَ وتَغْلُوا العزائم وتَضَرِمُ الإرادة، فَتلكَ هيَ المُقارنة الحَقَّة.
اللهم اشغلنا بالعلم والإيمان .. اللهم آمين.



رحاب شريف

@rehabsharif

السبت، 9 يونيو 2012

"في يوم ميلادي.."

خاطرة أوجهها لجميع من أثر في حياتي
في يوم ميلادي ، أول ماقمتُ به بعد النهوض من نومي أن مسكت القلم لأسطر فيه هذه الكلمات، لشموع في حياتي لن تنطفئ :
أشكرُ "الله عز وجل" على كل نعمةٍ منحها لي منذ ولادتي وحتى هذا اليوم، جميع النعم صغيرها وكبيرها، ماعلمت منها ومالم أعلم.
أشكرُ "الله عز وجل" على كل دعاء استجابهُ لي، فقد وجدتُ في الدعاء حياة، رغم المعاصي والذنوب، لم يَرُد اللهُ لي دعوة حتى اليوم ، فلكَ الحمدُ يارباه حمدا لا منتهيا.. على نعمة الدعاء وعلى كرم الإستجابة.
أشكرُ جدتي " مريم بنت عبد الرحيم " أمي الاولى، فقد ربتني على أصول الحب المطلق، وأصول الطيب اللامنقطع ، والعطاء الذي لا ينتظر مردودا.. فلكِ الشكر الممدود مدا..
أشكرُ والدتي " ليلى بنت أحمد " ، على أن ربتني فأحسنت تربيتي ، وأن زرعت فيني التميز والطموح وحب العلم منذ نعومة أظفاري، ومنحتني حبها ونصحها ومالها ، فوق ماتستطيع، فكانت نعم الأم البارة لأبناءها، فأعني اللهم أن أكون لها بارة فتكون عني راضية.
أشكرُ والدي "عبد الغفور شريف" على تربيته واهتمامه، وحرصهِ التام أن يكون الاب المثالي ، الملتزم ، الحنون، فلك الشكر كُله، حتى ينقطعَ النَفَس.
أشكرُ" أحمد عبد الرحيم " خالي الحبيب، السند لجميع أفراد العائلة، في كل شي وفي كل حين ، هو الرجل الذي قيل فيه ، رجلٌ كألف، حفظهُ الله .. آمين.
أشكرُ الدكتور "علي بن عبدلله آل ابراهيم"، أول مسؤول لي في حياتي، فكانَ نعم المسوؤل ونعمَ الأستاذ ،كان الأب الروحي للجميع، علمني وجميع الموظفين أصول الادارة ، وجميل العطاء ، والإخلاص في العمل، فكانَ القدوة لنا ، باركَ الله له ولهُ مني الدعاء الجميل.
أشكرُ " نور الشامسي" صديقة عمري، على صداقةٍ مخلصة دامت اثني عشر سنة ، وسَيبقى نور هذه الصداقة -بعون الله - تحتَ شمس الدنيا وسماها ، وستخلد في منابرٍ من نور في اليوم الآخر.
أشكرُ أختي الوحيدة "حليمة شريف" لأنها البلسم الشافي ، حينَ أحتاج، ولأنها الحصن الأمين، والقلب الحنون .. هي أختٌ واحدة ولكنها تُغني عن الكونِ كله.
أشكرُ " أخواني : "عمر وأحمد وابراهيم وحمد" ، فهم الشموعُ النيرات بدرب الحياة، وهم السند الذي لا غِنى لي عنه، حفظكم الله.
أشكرُ " رافد المناعي" ثاني  مسؤول لي في حياتي ، فقد غمرني بنصحة واهتمامه، ومنحني الخبرات النيرات بطرق مباشرة وغير مباشرة، فكان نعم الاخ ونعم المسؤول ونعم الناصح الصدوق. ربي أحفظهُ لأهله وذويه .. اللهم امين.
أشكرُ "بشرى فقيهي" توأم فكري وروحي "، الصديقة التي لا تتكرر، الناصحة الامينة ، فلها الحب الكبير. أحبكِ يا بشرى.
أشكرُ أستاذي " فؤاد الجندي " أستاذ الادب، على جميله الكبير، فلكَ الشكر العظيم، فأنت الأستاذ الذي كاد ان يكون رسولا.
أشكرُ كل"  كاتب ومؤلف " قرأت له ، فأثرَ في حياتي، وارتقت نفسي بكلماته ، اللهم ارزقهم الفردوس كما صيروا حياتي فردوسا.
أشكرُ خالتي فائزة ورجاء، وأخص بالذكر "خالتي فائزة ": مستشارة الجميع بعقلها وحكمتها وحبها.. فلكِ الحب والفضل.
أشكرُ جميع عماتي الحبيبات الحنونات : بدرية ، أحلام، فوزية ونسيمة. وأخص بالذكر عمتي "بدرية" على تشجيعها الدائم وتواصلها المستمر.
أشكرُ زوجات أخوالي الحبيبات:
فاطمة "فطيم": فهي الصديقة والأخت القريبة للفؤاد.
"رقية":  فهي القلب الحنون والاهل لي في وطني الآخر..
آمال " أمونج": فهي تلك الدرة المكنونة والقلب الطاهر.

أشكرُ أساتذتي الأفاضل في حياتي الدراسية كلها : مدرستي شيخة بن هندي ، د.هشام العمال، د. حسن كمال، د. عمر بن عبد العزيز العاني،د.محمد عبد الله.
أشكرُالأختين الحبيبتين اللتين لم تلدهما أمي " ابتسام القايد و لينا العوضي"  على أن ساندوني في حياتي في قرطبة،. أحبكم في الله .. ولا حرمني الله منكما.
 أشكرُ ورود حياتي، صديقاتي الحبيبات، سناء البوعينين،ايناس المحمود،فاطمة الانصاري،وضحة الهيل،ريما بنت احمد بن شمس، منيرة السليطي، عهود علي، ريهام الحسيني، نجود بشير،ياسمين فولاذ،ايمان حساني،شيماء السلطان، ليلى عباس ، عبير الروحاني، نادية جناحي، فاطمة النعمة،كريمة العوضي، نجلاء البنعلي،مروة محمد يوسف،سهير المهندي،مريم الزيارة وشيندا وصديقاتي الصغيرات آمنة وسارة..
تطول قائمة الصديقات ، فمحلكم الفؤاد جميعا.

في يوم ميلادي.. أسأل الله أن أكبر وتكبر حسناتي، وتنعدم سيئاتي، وأن أكون من أهل العلم والإبداع، وأن اقترب لأهدافي يوما بعد يوم.. وأن أكون ممن نهضوا بالامة الاسلامية..
اللهم أني أحبك .. فلك الحمد أول الكتاب وآخرة...

انتهى
9.6.2012



الأربعاء، 6 يونيو 2012

لستُ عبداً


خالتي الحبيبة " شيماء" بعد تخرجها من الجامعة حصلت على وظيفة في إحدى الوزارات بالدولة وعملت جاهدة بكل أخلاص وتفان، كنت أراها تَعملُ حتى بعد أوقات العمل وفي أوقات الإجازة الرسمية وعطل نهاية الأسبوع، عَمِلَتْ في هذهِ الوزارة لمدة ثلاثة أعوام ونصف العام ، وفي وقت كان من المفترض أن تحصل فيه على ترقية تم نقلها الى قسم لا تريده ولا يتمناه احد، فقررت وبعنف تقديم الاستقالة، رغم كل الالتزامات المادية التي " تزنطها" والقروض التي تلاحقها، إلا انها قررت ولم يُثنها عن القرار أحد. الجميع كان يرى ان قرارها قرار خاطىء وإنها لم تَأخذ بالحسبان أولويات الحياة. إلا أنَ القهرَ الذي بينَ جنبيها جعلها مُصرة بإقدام دون إحجامٍ أبداً.
بَدءتْ عملها الخاص - ولَعَلّ الحاجة هي أم الاختراع - في ما تُحب نَفسها وتَرغب، فقد كانت تُحِب " المكياج " حباً جماً ، وتتذوقهُ بفن راقٍ وتستمتع به أيّما استمتاع ، الخُلاصة إنها الآن من أشهر خبيرات التجميل بالخليج العربي، فقد حَولت راتبها الزهيد إلى مدخول يفوق دخلها الشهري بعشرين ضعف أو يزيد، وحولت القهر المكبوت الى إنجاز عظيم، فهي تعمل ما تحب وهي رب العمل والأجمل من كل ذلك إنها أثبتت نفسها في المحنة ولم تحتج الى أحد بل تَوكلت على الله وعملت على قَلْب القهر إلى عزيمة مُتَقِدَة، وهِمّة لا مُنْتَهِية، فارتَقَت بذلك.
قصة "شيماء" تُذكرني بقصة عَرفها الجميع، قصة والت دزني الذي أُقيل من عمله بالصحيفة دونَ سابق إنذار بتهمة أنهُ يفتقر للإبداع حتى خلدهُ الدهر بالإبداع كله، فَسبحان من يقلب الرزايا إلى مزايا والمِحَن إلى مِنَح عظيمة،رحبة ومُتَرامِية.
مُنذ فترةٍ طويلة قرأتُ كتاباً باللغة الإنجليزية إسمهُ " الأب الفقير والأب الغني" للكاتب روبرت كايوساكي الأمريكي المنحدر من أصل ياباني، المليونير بعد إفلاس وفقر ، كان كتابهُ طويلاً، ولكن العبارات التي أثرت فيني قليلة وقصيرة جداً، دعوني اكتبها لكم، العبارة الأولى تقول : إن العبد يبقى عبداً وإن كان ذو أجر كبير، الثانية: أن الموظف يعملُ جاهداً ليتسلق السلم الوظيفي حتى آخره، فَلِمَ لا تَمْتَلِك السُلم كله؟ ، العبارة الأخيرة: إن الموظف يعمل بكل قوته حتى لا يصرفه رب العمل بينما رب العمل يدفع أقل مايمكنه حتى لا يتركهُ الموظف. عبارات كانت مُوجعة ولكنهُ لا سيما الوَجع الجميل الذي سيدفعُ للتغيير حتماً.
الخميس المنصرم، احسستُ بقيمة كل عبارة من عبارات روبرت كايوساكي إذ حدثَ مايُشعرني بقيمة العمل الحر، بقيمة أن تكون رب العمل ، وصاحب المؤسسة ، وحر نفسك، وإن كنت يا صاح ذا أجر كبير فأنت عبد في نهاية المَطاف. إذ زَرعَ أجدادنا فينا دون وعي بأن الوظيفة الآمنة هي الحل لمفاجآت الزمان، إلا أن الواقع إنك يجب أن تتعلم مِنْ الوظيفة لتستقل يوماً ، الوظيفة لَيست الحل الدائم، قد تكون حل قصير الأجل لأزمة مزمنة طويلة الامد.
يُحَدثُني أَحد أقربائي مُمتَعِضاً بأنه يكرهُ أن يكون مُلتزماً بدوامٍ مُعَين، وهو صَاحِبُ إبداع وشخصية قوية ودقة متناهية، فَقُلت: شَخْصٌ مثلك لن يخسر إن بدءَ عملهُ الحر، وإن خَسرَ مَرة ومَرتين وثلاث فإن النجاح سَيكونُ حَليفهُ في نهاية المَطاف. لَعَلّ هذه الكلمات أوجهها لنفسي قبلَ أن أوجهها لغيري، ولعل الجميع يَحترق من هذه الحقيقة المُرّة،  ولَعَلّ قاطبة الناس كذلك تتمنى أن تتحَرَر مِنْ قيود الوظيفة، ولكن قلة قليلة التي تجد بين جنبيها الشجاعة لاتخاذ القرار، والأهم اتخاذهُ في الوقت الصحيح وبالطريقة المناسبة لمشروع مدروس والأهم مِنْ كُلِ ماسَلَف الثقة بالنجاح بعدَ التوكل على الله.

اللهم ارزقنا الهِمَة فإنا عَليكَ مُتَوَكِلُون.. اللهم آمين.




بقلم: رحاب شريف
@rehabsharif



الجمعة، 18 مايو 2012

حَبِيبة غَيْرِه

اشتَهَرَتْ قصةُ أَحد الفتيات في أيامِ الدراسةِ الجامعية، فَقَدْ أَحَبَتْ أَحَدُ زملائها في الجامعة، وأَحَبَها حُباً شديداً،وبَعْدَ أربع سنوات مِنْ الحُبِ والوَلَع ، اختارَ إبنةُ خالتهِ، لِتَكُون زَوجته، واخبر حَبيبتهُ بِأنهُ مُفارِقُها قبلَ ارتباطهِ بيومٍ واحد، لِتَنْهارَ الانْهِيارَ العَظِيم،وتَدْخُلُ مَرْحَلةَ اكتئابٍ شديدة،وحِينَما بَحَثَ بَعضُ المُقَرَبِينَ عن سَبَبِ فِعْلَتِهِ أَجاب: كُنْتُ أُحبها حُباً عَظِيماً ومازلتُ أَفْعَل، ولَكِني لَمْ أَكُن لأتَزَوَج فتاة كَلّمْتُها !
لَنْ أٌقرب المنظارَ الشَرعي لِعلاقةٍ كَتِلك، ولَكِنهُ السُؤال الذي يَطْرحُ نفسه: إن كُنتَ لم تَكُن لِتَتَزَوجَ فَتاة كَلّمْتَها وأحبَبْتَها قَبْلَ الزواج.. لِمَ دَخَلْتَ فِي عِلاقةٍ كَتِلك؟ ولِمَ عَلّقْتَ قَلْبَ فَتاةٍ مُرهَفَة الحِس، رَقِيقَة المَشاعِر، وجَعَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ دماً يَسْرِي في عُرُوقِها، وأَنتَ تَعْلمُ العِلمَ اليَقِين إنكَ لن تُقدمُ على زواجٍ وارتباط، فأنْتَ هُنا لا غاية ولا وَسِيلَة.. فَأيُ رَذِيلة! وإن كُنتَ قد احْبَبْتَها فعلاً كما تَقُول وماتَزال تُحِبُها، فإنَّ ذلكَ لن يُفلِتُكَ مِنْ العِقاب، فإنهُ كما تُدِينُ تُدان ولو بَعْدَ حِينٍ يا صاح.
مُنْذُ فَترةٍ ليست بِبَعيدة كُنتُ وصديقاتي نَتَكلمُ في مَواضيع شَتّى حتى رَسَت سُفُنُ الكلام في ميناءِ الحُب والعلاقات والقَصَصَ ذَاتَ العِلاقة، فإذا بإحداهنَّ تَتَكَلمُ عن أَحدِ معارفِها، فاسْتَهَلّتْ بِأنهُ دَخَلَ في علاقاتٍ كثيرة، وأحَبَّ الكَثير مِنْ الفتيات وأحَبُوه ، وخَاضَ غِمارَ البَناتِ خَوضا، حتى أتى العُمْرُ الذي قَرّرَ فيهِ الزواج، ذَهَبَ لِوالدتهِ لِيُخْبِرُها أنهُ يريدُ فتاةً دُونَ تَجارب سابقة ، ماضِيها كَصفحةٍ بَيضاء، أرادها كما وَصَفَها " قطوة مغمضة" ، وهكذا والدتهُ فَعَلت ، بَحَثَتْ عَنْ فَتاةٍ لا ماضٍ لها، وفعلاً وَجَدَتْ تِلْكَ الفتاة بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيد وبَحْثٍ كَثٍيف وتَمْحِيصٍ وتَدْقِيقْ وتَزَوّجَها وهو سعيد جداً بِحَظّه ، فَلَمْ يَمْضِي على زَوَاجِهُما العام حتى عَلِمَ بَلّ عَلِمُوا جَمِيعاً أنها كَلّمَتْ " شباب الفريج " أَجْمَع - كما ذَكَرَت صديقتي - ، صديقتي وهي تَنْقلُ لنا القِصة كانت مُبْتَهِجَة وسَعِيدة ، وكَأنّها تَقُول إنَّ اللهَ يُمهل ولا يُهمل، فَقَد كَذَبَ على كثيرٍ مِنْ الفتيات وتَسَلّى بِمَشاعِرِهن حَتى تَعَلَقَتْ القُلُوب وبَعْدَها، يَبْحثُ عَنْ تِلْكَ " القَطْوَة" على حَدِ قَولهِ.. فَيا سُبْحانَ الله! هنا تَذَكَرْتُ عبارة : "مَنْ لم يَتَزوجُ حَبِيبَته، تَزَوج حَبِيبةَ غَيْرِه". عِبارَةٌ كَالتي سَلَفَتْ طَرَحْتُها لا لِاُشَجِع عِلاقاتٍ كَتِلك، ولَكن لكي لا أُشجع الظُلْمَ الذي يَقَعُ في عِلاقاتٍ كَتِلك.
أَحدُ الزُملاء نَراهُ على علاقةٍ عاطفيةٍ هاتفية مع إحدى الفتيات، يُكلِمُها فِي كُلِ دَقِيقَة يَكُونُ هُوَ فارِغ فيها بحبٍ ووَلَه ، سَألتهُ إحدى الزميلات وكَأنّها تَجْهلُ العِلاقة: هل مِنْ المُمْكِنِ أن تَتَزَوج فَتاة عَرَفْتَها قَبْلَ الزواج، أَجابَ جواباً قاطعاً دُون أدنى تَفكير: لا، لم يُفكر زميلنا في جوابهِ لِثوانٍ بل قَطَعَ الَشكَ باليقين، تَألَمَتْ صديقتي لحالِ تِلْكَ الفتاة التي يُكلمها - ولها مِنْ اللومِ والعِتابِ نَصِيب -، قَد لم يَعِدُها بالزواج، لَيَكُونَ واضحاً بَيِنَاً مَعَها، ولِكن لِمَ تَتَهللُ المشاعرُ وتَرْتَبِطُ القُلوب وتُدْمِنُ النُفُوس والحالُ منقطع والغاية تسلية ودَغْدَقَة للمشاعر، ولكنها حَتْماً الدَغْدَقة الأليمة، لَيْسَتْ للفتاة وحَسب، ولكِنها للاثنينِ معاً..
بِغض النَظر عَنْ اللوم الذي يَقَعُ على الفَتاةِ التِي وَضَعَتْ نفسها في موضعٍ كَهذا، الأمرُ الذي حَيّرَنِي صَنْف جَدِيد مِنْ الناس، فَقَدْ شَهِدْتُ صَنْفاً يُؤمنُ بأن الغاية لا تُبَرِرُ الوسيلة، وشَهِدْتُ صَنفاً يُؤمنُ بِأن الغاية تُبَرِرُ الوسيلة، "بو الشباب" الذي يُكلمُ الفتاة وهو يَعلمُ أنهُ لا يُرِيدُها زوجة، مِنْ صنْفٍ غَريبٍ عَجِيب، فَهوَ لا غاية ولا وسيلة، فلا الغايةُ شَفَعَتْ لَهُ وَسِيلَتُه، ولا وسيلتهُ شَفَعَتْ لهُ غايَتُه.. فأيُ مَكارِم؟ وأيُ أخلاق..
دَفَعَتْنِي أَعْزُ صَدِيقاتي" بُشرى فقيهي" وهيَّ القَرّاءَة النَهِمَة، لِأن أقرأ كِتاب "عَصْرُ القُرُود" للكاتب مُصطفى محمود - رحمهُ الله رحمةً واسعة – وكانت أجمل عبارةٍ قرأتُها في ذلكَ الكتاب عبارة تَقُول " إذا أردْتَ زوجةً كخديجة، عليكَ أن تَكُونَ رَجُلاً كَمُحَمد". وقد قَصَدَ الكاتبُ إن كُنتَ تريدُ الإنسانة ذاتَ الخُلُقُ والدين فَكُن ذُو خُلُق ودين لِتَجِدَ مُبْتَغاك.
بَعضُ الغافلين مِنْ الناس يَظنُ أنهُ مَهما تَمادى فَلن تَدُورَ الدائرةُ عليه، قد لا تَدُورُ الدائرةُ عليه، وقد يَجدُ الزَوجةَ المَلاك وهو الذي صالَ وجَال، ولكِنَّ الدائرة قَدْ تَدُورُ على أَحدِ أخواته ، بناته أوحتى حفيداته ليُوقن أنهُ لن يُفلتَ مِنْ مبدء كما تُدِينُ تُدان.
لَعَلّ كَلِماتي هذهِ لَيست وقفة مع المرأة ضد الرجل ، فقد يَكُون النقيض، هي الإنسانة التي تَتَسلى وتَعْبثُ بِمشاعرِ الطَرف الآخر وهو المُخلصُ الصادق، ما أردتُ إيصاله عَزِيزي القارئ إنهُ تماماً كما تُدينُ تُدان ، ولو بَعْدَ حِينٍ وحِينٍ وحِين، فإياكَ والظُلم.

اللهم إنا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أو نُظْلَم .. اللهم آمين .



بقلم: رحاب شريف


الجمعة، 11 مايو 2012

"ريموتك " أينَ؟

تَدخلُ علينا ونَحنُ مُجتمعين وهي تُناضلُ مِنْ أَجلِ مُداراة دَمعاتها، مُطأطأةَ الرأس ، مُنحيةَ الكتفين ،وكأنَّ نِهاية العالم تلوحُ أمامَ عينيها ، وهي التي تَزَلْزلُ الأرضَ بالضحكاتِ والبَسمات، هي تِلكَ التي لديها مِنْ خِفة الدم ما تَجعلكَ لا تَمِلُ حَديثها لو استمرت بالحديثِ أيام وأيام. ولكنها! جَعَلَت سعادتها "ريموت كنترول" عند خطيبها. فَتحيا حَياةً وردية عِندما يكونُ راضياً ، وتَموتُ وهي عَلى قيدِ الحياة، وتُعكرُ صَفوَ مَنْ حولها جميعاً عندما يَكُونُ غاضباً.
أعرفُ إحدى الفتيات الرائعات، حافظة لكتاب الله عَزّ وجَلّ ، إيمانها عميق ، وطريقها مستقيم، تُحبُ إحدى صديقاتها بكمٍ كبير، وحجمٍ عظيم، مُرتَبطة بها ارتباط وثيق ، فنراها بابتسامة عريضة، تُرفرفُ من السعادة عندما تكونُ صديقتها التي تُحِب معها وعلى تواصلٍ ولقاء، وتَنقطعُ عن الدنيا وتُصاب بالأمراض التوهمية ، وتبدء رِيادتها للعيادات دُونَ مُسببات عضوية حقيقية ، فقط لأنَ تلكَ الصديقة جَفَتها ولَيست على مِنوالِ التواصل الذي تُريد. لاعَجَب، فَقَد سَلَّمَت "ريموت" سعادتها لتلكَ الصديقة وإن كانت تلكَ الصديقة على مستوى عالٍ مِنْ الخُلُقِ والدين ، والذمةِ والضمير..
أتذكرُ أحد الزملاء يعشقُ زوجتهِ بشدة ، فيكونُ صحيحاً مُعافى حينَ تكونُ زوجتهُ في مزاجٍ "رايق" ، ويكونُ سقيماً تعيساً وهي في مزاجٍ "معتفس"، فَكُنا نراهُ جميعاً في قمةِ الحال حيناً وفي قاعٍ من الحال حيناً آخر ، لا استقرار ولا هناء. فَبتْنا جميعاً نَعْرفُ متى تكونُ العلاقة في أَوَجَّها ومتى تكونُ في جحيمها.. كل ذلكَ لأنهُ سَلّمَ "ريموت" سعادته لزوجته.. فيكون في السماءِ طائراً حينما تكونُ راضية ويكونُ في المقابر زائراً  حينما تَكُون ساخطة.. فأيُ جحيمٍ .. وأيُ حياة؟
نُؤمنُ جميعاً أنَّ حياتَنا دمعة وابتسامة ، فلا حياةَ تَخْلُو مِنْ العبرات ، ولَيْست هناكَ حياة فيها السعادة مُجتمعة وكاملة ، ولن تكون هذه الحياة إلا في دارِ الخُلد، ودار الجنان. فَمِنْ الطبيعي أن تَتَأثر نفسية صديقتي المخطوبة إن مَرّتْ بِمشاكل مع خطيبها، تَتَألم وتبكي، ومِنْ الطبيعي أن تَتَألمُ تلكَ الفتاة الحافظة لِكتاب الله إن لم تَجِد التواصل الذي تُرِيد مِنْ أَعَزّ صَديقاتها، ومِنْ الطبيعي كذلك أن يَكُون زميلنا المُحِب لزوجتهِ في مزاجٍ سيء عندما لا يكون معها على وفاق ، ولكن الغير طبيعي أن يكون الارتباط ارتباطاً مرضياً* ، حتى إذا سَخَطَ  الطرف الآخر حيناً هَلَكْتْ وإذا رضا  مَلَكْتَ الدُنيا بِحذافِيرها.. فأيُ حياة لإنسان مَنَحَ "ريموت" سعادتهِ لإنسانٍ آخر بِمُنتهى الرضا ومُنتهى السعادة. فَيَشْتَكِي بَعدها الحالَ والأحوال، ولا علاج .. "فالريموت" بيد الطرف الآخر، يَستطيعُ أن يرفعهُ للسماء تارة ويجعلهُ مُرتطماً بالأرضِ تارةً أُخرى!
لَعلي بهذهِ الكَلمات لا أُعارض الحبَ والعطاء ، ولا أُعارضُ الزيادة في جرعة الحُب وكثرة الأشواق ، بل أنا مِنْ المُؤيدين للحُبِ المُطلق اللامشروط ، ذلكَ الحُب الذي يَجعلنا سُعَداء في كُلِ حين ، في الرضا وفي السخط ، في الوَصْلِ وفي الهَجْر ، فِي العطاء وفي المَنْع.. ولكني من المُعارضين لأُناس مَنَحُوا "ريموتهم " بيدِ الآخرين فَتَكونُ سَعادَتَهُم رَهِينَة بَينَ يديهم، وأكونُ بِذلكَ تَحتَ رَحمةِ شَخْصٍ مُعين أونَجاح تِجارة مُعينة ، أو فَوْز نادي رياضي مُعين أو أو أو...
مُنْذُ فترة لَيست بِبَعيدة كُنتُ استمعُ  لبعضِ القوانين الكَونية ، والتي كانَ أحدُها يُدعى "قانون الارتباط" ، قانون غاية في الروعة يُلَخْصُ الحديث الطويل في عبارة قصيرة،يَنصُ القانون أنْ لا يَرتبط الإنسان ارتباطا مرضياً إلا بالله عز وجل وتعريف *الإرتباط المَرَضي : هو الإرتباط والتَعَلُقُ الزائد عَنْ المُعَدَلّ الطبيعي .
لقد عشتُ زمناً قصيراً - لا رَدهُ الله - ارتبطتُ ارتباطاً مرضياً بأشياء عدة، درجاتي في مقررات معينة، حتى إذا حَصَلت على الدرجة التي لا أتمنى أبكي بُكاءَ الأرامل ، وتَنْهارُ أحلامي، وتَتَكالبُ علي المَواجع كُلها ،ارتبطتُ  بمدرسةِ اللغة العربية عندما كنتُ بالمرحلة الثانوية ، فأحْبَبْتُها حباً كبيراً وتَعَلّقْتُ بها تعلقاً شديداً، وهَيَ التي تَسْتَحقُ الحُب ، ولكن الارتباط كانَ مرضياً ، حتى إذا انشَغَلَتْ في وقتٍ مُعين ولم تُجيب على مُكالمتي ، يَتَحَطَم فُؤادي ، وأُصابُ بالأمراض كُلها ، وأُلازم الفراش وكأنني مُصابة بمرضٍ عضال ، أو عند مخاصمة أو مفارقة أحد الأحباء تتحول ابتسامتي إلى تعاسة أبدية وأكونُ قد دخلتُ زنزانةَ القُنوط السَرمَدِيّة، تَطولُ القائمة وتَطُول ، حتى عَلِمْتُ كَيفَ تَكُونُ سعادتي بَيْنَ يَدَيّ، وكَيْفَ يَكُونُ "ريموت" سَعادتي فِي جَيبي ،مُصاناً مِنْ الجميع ، حتى تعلمتُ أصول الحب المُطْلَق في مدارسِ الأنقياء ، فلا أنهارُ لِمخاصمة صَديق ، ولا أُبغضهُ ولا يُموتُ الحبُ في قلبي ، بل يَبقى الحبُ في كُلِ وقت ودونَ شرط ، قد أحزنُ نَعَم ، وأَبْكِي نَعَم ، لَكِنِي لا أَدْخلُ صومعةَ اليأس، ولا أرى نهايةَ الكونِ تَتَأرجَحُ نَحوي ، حَتى جَعَلتُ عبارة القرني " بقدر إيمانك حرارةً أو برودة تكونُ راحَتُكَ وسَعادَتُكَ وطَمأنِينَتُك "مِحوراً حياتياً.
 اليوم - والفَضلُ كُلُهُ لله - أعيشُ السعادة كُلها ، سعيدة في كُلِ حِين، وفِي كُلِ وقت ، سَعِيدة في أفراحي وأتراحي ، سَعِيدة بِبَسماتي ودَمَعاتِي ، سعيدة ولا أَقْبَلُ إلا أَنْ أكونَ كذلك.
اللهم زدني بكَ تعلقا ،وأجعل فؤداي منزلاً رحيباً لجميع خَلْقك، من أحبني منهم ومن بغضني... اللهم آمين.

بقلم:رحاب شريف
@rehabsharif

 وال law of attachment" ,hgعلى بعض القوانين الكونية ، والتي كانت أحدها قانون يُدعى قانون الارتباط "وصل وفي الهجر ، في العطاء وفي

الاثنين، 30 أبريل 2012

البخلاء والحب

مازلتُ أتذكرُتلكَ القِصَة الحقيقية التي قَرَأتُها والتي تَمَّ تَمثِيلِها وعَرْضها في دُورِ السينما،  قِصةُ أَحَد الأزواج الذي عَلِمَ مِنْ طبيبِ زَوْجَتهِ أنها مُصابة بِمَرضٍ عُضال وإنها سَوْفَ تعيشُ لمدةِ سنةٍ واحدةٍ فَقَطْ ، حينها لم تكن الزوجة تعلم عَنْ ذلك ، فَقَدْ حَرَصَ الزوجُ على تَكَتُم الموضوع ، تَبَدَلَ الزوجُ تبدلاً رهيباً ، فأصبحَ الزوج الرومانسي الرائع، الذي يَفْتَتَحُ نَهارهُ بِقُبلةٍ على جَبِينِ زَوْجَته، ويَخْتَتَمُ لَيْلَتهِ بِقُبلةٍ على يَديها، أَصبَحَ لِسانهُ معسولاً، فَلا تَكادُ تخلوا عبارة  من "حبيبتي " أو " يا حياتي" أو ماشابهَ ذلك مِنْ كَلِماتِ الحُبِ والوِداد والرَحمة. كانَ يَمْنَحُها ما كانَتْ تَتَمَنى طوالَ حَياتِها مِنْ هَدايا، وكَانَ يَتَفَنَنُ فِي مُفاجَأتِها وتَقديم الهدايا لها. حَتى مَرَّ العام ، وذهبا إلى الطبيب كمراجعة عادية ليُصدم الطبيب أنها تشافت مِنْ المَرض تماماً! حينها قُلتُ في نَفْسِي :صَدَقَ مَنْ قال أن الأمراضَ العضوية هي أصلها نفسية.عَزِيزِي الزوج، إن كُنتَ تَملكُ تِلكَ المَواهِب كُلِها فِي إظهار المَشاعِر لِزوجَتِك ، والفَن العَظيم في تَقدِيم الهدايا وصِياغة العِبارات والقُبَل، لِمَ بَخَلْتَ عليها طِيلةَ أيام زَواجكم التي مَضَتْ؟، ما فَعَلْتَ ذلكَ إلا حِينَما أدرَكْتَ أنَها مُغادِرَة دُونَ رَجعة. فأيُ بُخلٍ هذا؟ وأيُ نوعٍ مِنْ البُخَلاءِ أَنْت؟
حَكَتْ لي صَدِيقَة سُعودية مَرّة ،والتي قَدّرَ الرحمن أَن أتَعَرفَ عليها فِي رِحاب الحَرم المَكي ، أن زَوج أُخْتها الكُبرى لم يَقُل لها كَلِمة حُب واحدة طَوالَ حَياتِهم الزَوجِية، حَتى لَحظة الوَداع وهَي تَحتَضِرُ مِنْ سَرَطان عَانَت مِنهُ سَنوات عَديدة - حَفِظَ اللهُ الجَميع مِنْ سائرالأسقام- ، صَرّحَ فِيها الزَوج السُعودي بِأنهُ لن ينساها وسَيَبقى يُحِبُها، بَينما كانَت - رحمةُ اللهِ عليها - تَشْتَكِي طَوالَ حَياتِها مِنْ فُتورٍ الارتباط، وجُمُودِ العلاقة وجِدِّيَتِها، ورَغْبَتَها فِي سَماعِ كَلِمَةٍ رَقِيقَة كَما فِي الأفلام ،كَأَن تَسمَع " أُحِبُكِ " فِي نِهايةِ المُكالًمة ، بَدَلاً مِنْ أَن تَسْمَع "طووووووط" حيث كان يُغلقُ السَمّاعة مُباشرةً  بَعدَ أَن يُرَتِلُ عليها الأوامر والنواهي ، دُونَ أن يُكَلِفُ نَفْسَهُ حتى بَأن يَخْتِم المكالمة بِ :"مَعَ السلامة".مازلتُ أتذكرُ مَلامِحَ وقَسَمات صَدِيقَتِي حِينَ يَمَمَتْ وَجْهَهَا نَحْوَ الكَعْبَة وهَي تَبْكِي وتَدعِي لأُخْتِها، التي لَمْ تَرى الراحةَ ولَمْ تَشعرُ بِالسعادةِ فِي كُلِ أَطوارِ حَياتِها. فَلِمَ البُخل فِي البَوْح؟ ولِمَ البُخْل في التَعْبِير، ولِمَ الحِرْص على عَدَم إظهار المشاعر؟ حتى ما إذا تَمّ الإفْصاح يَكُونُ ذلكَ في لحظةِ الانتقال مِنْ الحياةِ الدُنيا إلى الحَياة الأُخرى، ويَعْلَم اللهُ إن كانَت قَدْ اِسْتَطاعَتْ هذهِ الزَوْجَة تَلَقِي تِلْكَ الكَلِمَة وهَي فِي مَرحلة تَحَشْرُج الرُوح! فأيُ بُخلٍ هذا؟ وأيُ نوعٍ مِنْ البُخَلاءِ أَنْت؟  
المُؤلم أن هُناكَ أشخاص في الحياة ، حين يَصيحُ هاتفهم الجَوّال ويكونُ المُتَصل هِي الزوجة/الزوج ، فإن المَلامِح تَتَشَقْلب، ويَرِد بِطريقةٍ فاترة وكَأنَهُ قَد شَرَبَ الحَنْظَلَ المُرّ، ولا داعي أَنْ أذكُرُ لكَ الترحيب الشَدِيد والتَهليل الطويل حين يكون المُتصل صديقاً.. فَكَيْفَ ولِماذا ولِمَ؟ أَوَلَيْسَ الأقرَبُون أولى بالمعروف ، أَوَلَيست المُعاملة الحَسَنة أُولَى دَرَجات المعروف..فأيُ بُخْلٍ هذا؟ وأيُ نَوعٍ مِنْ البُخلاء أنت ؟
أُستاذِي فِي الأَدَب ، رائعٌ جداً ، عَلى مُستَوى عالٍ مِنْ الدِين والخُلُق، يُحِبُ زوجتهِ حُباً جَماً، يَتَفَنَن بِكُلِ الطُرُق في تَعْبِير الحُب لِزَوْجَتهِ ولا يَحُول بَيْنَهُ وبَيْنَ التَغَزُلِ بِها أيُ أمر، بَل ويُبْدِع في ذلك ، بِقصائِدهِ ونَثْره ، وخَوَاطِرهِ ، وحتى كَلماته العامية البسيطة ، ومؤخراً عَلِمْت أنهُ هُوَ صاحب كلمات نشيدة " زوجتي " التي أنشدَها المُنشد "أبو خاطر" والتي انْتَشَرَت انتِشاراً كبيراً، وعَرَفَ هذهِ النشيدة القاصِي والدانِي. ولا عَجَب فكلماتهُ الصادقة لزَوْجَتِهِ تَسْتَحِقُ الانتشار والنَجَاح. حَفِظَ اللهُ أُستاذِي فِداء الجندي ،لَهُوَ الرجل الكريم ، كَريم الأقوال والفِعَال..
الكلماتُ الجميلة الرَقِيقَة ، هَي بِمثابة البَلْسَم الشَافِي، مَهْمَا تَوَتَرَت العِلاقَة ومَهْمَا تَكَالَبَتْ عَليها المَسْؤُولِيات ومَهْمَا عَانَت مِنْ المشاكل المادية. الكلماتُ الحَانِية كَلِماتٌ مجانية، تُجَمْلُ العلاقة وتُبَعْثِرُ آلامها وتُشَتِتُ مَشاكِلها، ناهِيكَ عَنْ الأجرِ العظيم ، فَتلكَ هي الكَلِمَة الطَيِبة التي لا تَتَنافى مَعَ الأديانِ كُلِها والمَذاهِبِ جُلِّها، ولا تُناقِضُ الأخلاق فِي كُلِ بِقاعِ العالم، لها مَفْعُولَها السِحري ، وأَثَرها العَمِيقْ.
يَظُنُ البَعَض ، أَنَّ ذَلك دليلُ قوة ، حِينَ يَكْتُمُ مَشاعرهُ،ويُغَلِفُ فُؤادهُ بِغِلافِ الفُتُور ويَصُونُ لِسانهُ مِنْ كُلِ كَلامٍ لَيّنٍ حَانِي، جاهلاً أنَّ فِي ذلكَ ضَعفٌ شَدِيد وبُخْلٌ عنيف. لَعَلِي مِنْ المُوقِنِين أَنَهُ لَوكانَ الجاحظُ فِي زَمانِنَا لَألَّفَ كِتابهُ البُخَلاء مَرةً أُخرى ، ولَكنهُ فِي هذه المَرّة لَن يَذكُر لنا قَصَص بُخلاء الدَراهِم والدنانِير، وَلكنهُ سَيَذْكُر قَصَص بُخَلاء المَشاعِر، فَهُم أَعْظمُ دُنواً مِنْ بَخيلِ الدرهم والدينار.
اللهم باعِد بَينَنا وبَيْنَ البُخل كُلِه كَمَا باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرق والمَغرب.. اللهم آمين..




بقلم: رحاب شريف
@rehabsharif

الاثنين، 23 أبريل 2012

مقال: وَما أَدْراكُم مَنْ مَنصُور؟


"مَنْصُور" أَحَدُ الآسيَويين الذِينَ يَعْمَلُون فِي أَحد البَقالاتِ الصَغِيرة فِي زِقْاقِ المَنْصُورَة بِالدَوْحَة، كُنا نَسْكُنُ بِمَسْكَنٍ بَالقُرب مِنْ بَقالَته، فَكانَ ايُ احتِياجٍ نُرِيد، نَحْصُلُ عَليهِ بِمُنْتَهى السُرعَة ومُنْتَهى الجَوْدَة، إضافة إلى بَسَماتٍ إيجابية "مجانية"، فَكانَ يَبْتَسمُ ابتِسامَةً أكادُ أَجْزُمُ أنها الأكثَر تفرداً وعمقاً بَيْنَ البَسَماتِ أَجْمَع. يَحْفِظُ أسماءَ المُحِيطِينَ جَمِيعاً، بل ويُلَقِبهم بألقاب تَرفعُ معنوياتهم ، فمثلاً يُلقبني ب" مُدير " ويُلقبُ أحدهم ب " أستاذ كبير" و آخر " إنسان واجد زين ". لا يكرر منصور الألقاب ويَحفظُ الوُجوه، وعندما يَراكَ مِنْ بعيد يَرتفعُ صوتهُ وهو يَذْكُرُ اللًقب الذي خَصَصَهُ لَكً ،بِسلامٍ حار وبِبَسمات لو وُزِعَت على أَهلِ الأرضِ لَكَفَتْهُم.
انتقلَ بعضنا بَعد زمنٍ إلى حَيّ آخر بِمَنطقة أُخرى،وتَفاجَأتُ مُنذ فترة وجيزة أن جميعنا مازالَ يَتَرَدَدُ على نَفْسِ البَقّالة ، رَغْمَ أنها تَبعدُ عن المَسكنِ الجديد بعضَ الشيء! ورَغمَ تَواجد البَقّالات بِالقُربِ مِنْ السَكَن الحالِيّ، وعِنْدَما يَصِلُ أحَدُنا إلى البَقالة و"يطق هرن" فَورَ وُصُولهِ لَيَطلب طلباتهِ مِنْ مِقْعَدِهِ بِالسيارة وهُوَ فِي آخر مَراحِل الراحة ، فَيَخْرُج لَهُ آسيوي آخر غير " منصور" يَسْألهُ عَنْ طَلَباتِهِ ،يُجِيبهُ على الفَور "وين منصور؟ ناد لي منصور" ، ظَنَنْتُ أنني الوحيدة في هذا التصرف حتى الأُمس القريب ، إلى أن عَلِمْتُ مِنْ حَدِيثٍ مُتشعب أن الجَميع يَفعَلُون الفِعْلَة نَفْسها.
منصور، ذلكَ الآسيوي البَسِيط ، الذي لا يتجاوز مُرتبهِ ال700 ريال قطري، يبتسمُ الابتسامات المُتَلألئة ، والتي لا تَنُمُ عَنْ ابتسامةِ هُولِيوُود ، وإنما تَنُمُ عَنْ جَمالِ العُمْقِ والرُوح، والتفاؤل والسِعَة ، والبَساطة والإيجابية. عندما أودُ أن أشرع في بَدء طلباتي ،أسألهُ بَعدَ إلقاءِ السلام ، " شلونك منصور؟ " ، يُجِيبُنِي :" أنا واجد واجد واجد زين مُدير ". لَستُ أدري لِمَ يُلقبني مدير! قد تكون النظارة الطبية التي ألبس قد أوحت له بذلك وقد لا تكون، رغمَ أني لَستُ مُدير ولا "بطيخ".
منصور لا يَملكُ حساب في مصرفٍ مُعَين ، ولا يَمْلِكُ سيارة بورش أو بي إم دبليو أو حتى كورلا، وأشك إن كانَ يَملكُ حتى دراجة هوائية مُستخدمة . منصور لا يلبسُ الرولكس المرصعة بالألماس، وقد لا يملك ساعة من أصل. وشهادتهُ ليست بكالوريس أو ماجستير أو يزيد، وأشكُ إن كانَ يَحملُ شهادة الثانوية أو حتى الاعدادية، ولكن منصور.. ومايُدرِيكُم مَنْ منصور ! يَملكُ سلاماً داخلياً فاضَ حتى أغرقَ به جميع مَنْ حوله.

يستغرب من يحادثهُ لِثوانٍ فقط مِنْ بَسماتهِ وإيجابيتهِ وسرعة خدمتهِ وحتى جودتها .. منصور أضافَ إلى الحياة رونقاً وبهجة ، أضافَ إلى عملهِ البسيط قيمة عظيمة ، أضافَ لِجميع عُملائة شحنات إيجابية تُدهشه للوهلةِ الأولى وللوهلةِ الثانية والثالثة، ومابعدها.
ما يُدهشني عندما أسألُ الناس" كيف الحال" ؟ تتفاوت الإجابات في مقاديرها فالبعض يُجيب: "الحمدلله.. ماشي الحال"، وهناك من يجيب ب :Not Bad"" وكأنه سوف يُقْبَرُ بَعْدَ قليل، وهُناكَ فئة تجيب بامتعاض : "في الدنيا" . وهي تُشير بِيَديها وتُلَوِحُ  للأسفل ، وكأنها في عالمٍ أسودٍ مُظلمٍ بل حالكٍ دامس. وهناكَ قلة نادرة جداً تلكَ التي تَبْتَسِمُ إبتسامة غزيرة فَتُجيب : "عال العال والحمدلله". حينَ أسمع الاجابات  السلبية من اُناسٍ مَلَكُوا الدُنيا بينَ أيديهم ولكنهم لم يَمْلِكُوها فِي قُلُوبِهم أَقولُ في خُلْدِي : أينَ أنتم مِنْ منصور الذي ملك الدنيا في قلبه ولم يملك ذرة منها بين يديه.
منذُ فترةٍ بسيطة التَقَيْتُ بإحدى الصديقات ، فإذا بها في حالةِ ضيقٍ وكَدَر فَسَألْتُها مُبادرةً : "سلامات ، عسى ماشر؟" فأجابت وهي ترفع كتفيها تُشيرُ بأنهُ لا شيء.. بعدَ وقتٍ وَجِيز مِنْ سُؤالي أخبَرَتنِي " كُلُ شيءٍ على حالهِ لم يَتَغَير، أنا كما أنا ، مَلِلتُ مِنْ الحياة نفسها.." رغم أنها في رَغدٍ ونَعيم والدُنيا بينَ يَديها تَعُوم، لكِنَّ السعادةُ هاهُنا >> في قَلْبِك ، وبَيْنَ جَنبيك.
قرأتُ في أحدِ الكُتب المُترجمة مُنذ فترةٍ مِنْ الزَمَن ، عِنْدما يَسأَلُكَ أَحَدُهم كَيفَ الحال؟ فَأَجِب على الفَور : لو كُنْتُ أَسْعَدُ مِنْ هذا الحال لَمَلِكتُ الدُنيا ، بِكلماتٍ أُخرى : عال العال والفضلُ لله، فعَلِمْتُ حقاً إنهُ حتى وإن لم تَكُن فِي غايةِ السعادة ، فإنَّ هذهِ الكلمات تُؤكد خُطاكَ على دربِ الامتنان ، فَتَسْتَشعِرُ كُلَّ جميلٍ تَمْلكهُ، فَتكُونُ حِينها مِنَ السُعَداء أُولئكَ الذينَ هُم مُمْتَنِينَ للمَوجُود ، الذينَ لا يَبْكُونَ المَفْقُود،فَيَزِيدُهُمُ اللهُ بِعطاءٍ لا مَحْدُود.
اللهم لَكَ الحَمد حمداً عظيماًعلى جميعِ النِعَم بَسِيطها وعَظِيمها .. ما عَلِمنا مِنْ تِلْكَ النِعَمْ وما لَم نَعْلَم.

رحاب شريف
23 ابريل
@rehabsharif