الاثنين، 24 سبتمبر 2012

لِــمَ؟


كنتُ استمعُ لأحد البرامج التلفازية للدكتورة فوزية الدريع منذ فترة ، لفتَ انتباهي كلامها عن مشكلة لإحدى الفتيات، التي أحبت زميل عملٍ لها حباً عظيماً لا يَعلمهُ، وكان في المقابل يُحبها حباً عظيماً لا تَعلمهُ، صَرَحتْ بحبها لهُ لزميلةٍ مشتركة لهما، وقد صرحَ بحبهِ لها كذلك لتلكَ الزميلة. فحينَ تأكدت هي من مشاعره نحوها تجرأت وصرحت بحبها لهُ ، هاتفتهُ لتُخبرهُ أنها تُحبه، إذا كانت تتوقع منهُ أن يُصرح بمشاعره كذلك. ولكنهُ لم يفعل اكتفى بالصمت ثم أنهى المكالمة، وتَغيرَ في اهتمامه وكلامه، حتى سألتهُ تلكَ الزميلة المشتركة: " ألم تعد تحبها؟ " ، فأجاب :" حالما صرحت لي بمشاعرها تبدلتْ عندي المشاعر!"، لمَ؟!
حدثتني صديقتي عن إحدى الصديقات ، التي مرَّت بعلاقة حب مريرة، إذ أحبت شخص حباً جماً، والأفضل أن أقول "حباً مجنوناً"، كانت تُغدق عليه بالهدايا، وتدفع له " فواتير جوالاته "! وتفاجئهُ بباقات الورد على سيارته "الكحيانه" ، ولا داعي أن أصف لكم عن هدايا الفالنتاين و"سربرايز" أعياد ميلاده. كانت تحبه الحب الذي لأجله تفعل أي شيء، مع هذا كان يخونها مع أخريات وكانت تكتشف فتنهار ويعتذر ويَعدُها أن يتوب وتُسامح هي كالبلهاء ليُكرر هو الفعل المشين، وَعدها بالزواج ولم يفِ بوعده، وكانت متمسكة بكل خيط رفيع يجمعها به، ترفض كل خاطب مناسب وكل النصائح التي تتلقاها من أخواتها ومن صديقاتها تضربُ بها عرضَ الحائط، حتى أتى اليوم الذي ودعها لأنهُ سيتزوج بأخرى. لمَ؟
إحدى الزميلات بالعمل حدثتني عن صديقتها التي تحب زوجها حباً رحباً ، لدرجة أنها فاجئتهُ في ذكرى زواجهما الثالث بالسيارة التي يحلم بها "مرسيدس" ولوحة أرقام مختصرة، وفي المقابل هو يخونها حتى "فاحت ريحته"!" لمَ؟!
صديقة أمي في الثالثة والخمسين من عمرها ،زوجها يحبها حبا لا أستطيع وصفه ، يفاجئها بالهدايا بكل شكل، في كل المناسبات الجديرة والغير جديرة بالتهادي ، يشتري لها كل سيارة تتمناها - رغم دخله المحدود - ، يُراكم على نفسه القروض فقط ليرى منها ابتسامة رضا، يُعاملها كالأميرة، رغم أن زواجهما مرَّ عليه مايفوق العشر سنوات، وهي تعامله أسوء معامله دون أدنى اكتراث لكرامته حتى أمام الناس، وحين وَبختهُ أختهُ :إذا كيفَ تسمح لها أن تعاملك هذه المعاملة الغير لائقة ، يقول :" أحبها ولها الحق أن تفعل بي ما تشاء!!". لمَ؟
إحداهن تحب صديقتها حباً كبيراً، هي محور حياتها ، تفكر في رضاها ليلَ نهار، لا تهدأ ولا تسكن، إن تكلمت فعنها ، وإن تسوقت فلها ، وإن بكت فمنها ، وإن تأملت فصورتها، ليسَ على البسيطة شخص يهمها غيرها، بيدَ أن صديقتها المعشوقة لا تبالي لشأنها ، تحترمها وتحبها ولكن شتان شتان بين حجم الحب والاهتمام والعطاء عند الصديقتين. لمَ؟!

برنامج الدكتورة فوزية وتلكَ القصة المريبة، بغض النظر عن شرعية القصة والعادات والتقاليد ، لمَ حين شعر ذلك الزميل أن زميلتهُ اشترتهُ قامَ ببيعها؟
وتلكَ الحبيبة التي اغدقت على حبيب فؤادها بالهدايا في كل حين، وقدمت لهُ الحب المستحيل على أعتاب بيته، لمَ خانها؟ ولمَ تزوج بغيرها في نهاية المطاف؟ لمَ؟
وتلكَ الزوجة الغبية التي تعشق زوجاً خائناً، وتراكم ديوناً لأجل سيارة فاخرة تمناها، ولوحة أرقام مختصرة قيمتها قيمة سيارة أخرى ! وهو لم يُكلف تفسه أن يمنحها بديهيات العلاقة الزوجية في حفظ الكرامة وصون العِرْض والإخلاص لها، لمَ!؟
 لمَ تلكَ الزوجة الخمسينية تُبادل الحب والعطاء والمودة بالجفاء والإهانة وسوء المعاملة؟ لمَ؟ وتلكَ الصديقة التي لا تبالي بصديقتها التي بَسَطَتْ الدنيا لها ورداً وياسمينا؟ لمَ القانون بات مُعاكسا في زماننا؟ من نهواهُ يُجافينا؟ ومن نجافيه يعشقنا حتى النخاع؟ حتى بات قانون من "يُقدرني أُقدره" استثاء وحالة بها بعض من الشذوذ.

حينَ كنتُ في مرحلة المراهقة كنتُ ووالدتي نتحدث عن الحياة وقوانينها ، فقالت لي :" احرصي أن تُقدري كل من يُقدركِ، ومن أكرمكِ مرة فأكرميه مئة مرة".اليوم تستحضرني كلمات والدتي البسيطة ذات المعاني العميقة، حين أضحت المبادىء الجميلة نادرة في حياتنا، ولعل العيب ليس في زماننا لنؤكد قول الشاعر: "نعيبُ زماننا والعيبُ فينا.. ومابزماننا عيب سوانا".
أليسَ من العدل أن ترفع شأن كل شخص قدمَ لكَ العطاءات واجتهد لتقديم الخدمات وجادَ بما يملك من معنويات راقية وماديات فاخرة لنيل رضاك، فتبادلهُ العطاء بعطاءٍ أكبر، والتقدير بتقديرٍ أعظم. فذلك هو الإنسان الأصيل الكريم الذي قال فيه المتنبي :"إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتهُ".

اللهم ارزقنا خُلُقا جميلاً .. اللهم آمين.




بقلم: رحاب شريف
@rehabsharif


الاثنين، 17 سبتمبر 2012

الفصيلة النادرة



حينَ تُرهقنا الأزمات وتعصفُ بنا الخطوب ، ونستنفدُ رصيدنا الضخم في الصبر والمصابرة، فإننا حينها لا نبحثُ عمّنْ يحلُ لنا المُشكلات ويُرشدنا إلى الطريق الأمثل، فالغالب نحنُ أصحاب الأزمات أعلم الناس بحلولها المُثلى ونعرف تماما الطريق الصحيح.. فمالذي نبحث عنهُ إذا؟ دعوني أُخبركم..
نتفرسُ في وجوه الناس نبحث عن أذنٍ صاغية وصدرٍ منشرحٍ وعقلٍ مُتفهمٍ ورأي سديد وقولٍ حكيمٍ ولكن الأهم مما سبق جميعاً أننا نبحثُ عن شخصٍ كتومٍ ومُؤتمن.

وحينَ نبدءُ البحث ، فإنها عملية قد تطول، لأن الكتمان صفة غَدت في الندرة أصيلة ، نبحث عن إنسان يُحصّن السر بكل ما يملك. ، نحنُ نبحث عن ذلكَ الشخص الذي حينَ نخبرهُ بأن هذا الكلام سر عليه حفظه مابقي حياً ،لا يخون مهما تطلب الأمر، نحنُ نبحث عن إنسان حين نُؤمّنه على أسرارنا لا يذهب لأعز أصحابه ليخبرهُ بأسرارنا ويؤكد عليهِ أنهُ سر فاحفظهُ وهكذا دواليك، نحن نبحث عن الصاحب الذي ينتهي الكلام في جوفه، ويموتُ معه، ويُقبر معه حين يُقبر. يصون الأمانة قولاً وفعلاً مهما حدث.
نحنُ نبحث عن الانسان الذي وإن اختلفنا معهُ يوما وطال الخلاف، وتقطع البين، لا يَفضح ولا يَفجر، لايَغدر ولا يَخون ، بل يصُون ويُدافع حتى وإن انتهت العلاقة وتحولت تلكَ الصداقة الى عداوة مضطرمة.أتراني أغالي في الطلب؟ وأبحث عن المستحيل..؟

العاقل منا ذلك الذي يتوجه لله عزّ وجل فيسجد السجود الطويل، فيبكي ويحكي ويطنب بمايجول في خاطره، لا يُبقي ولا يذر، فتكون ركعتان طويلتان قد غسلتا قلبه، وطوتا صفحة همه.
من العقلاء من يمسك بورقة وقلم، فيخط اسراره السوداء على صحيفته البيضاء حتى تُظلم، وحينها يكون قد استفرغ من تلك الهموم الثقيلة. بورقة وقلم! أتراني ما أزال أبالغ وأصف المستحيل؟
تابعوا معي إذا أحداث هذه القصة.. فقد  حدثتني صديقتي ليلة البارحة تطلب مني أن أزورها في أسرع وقت، كان صوتها متعباً، وكأنها قد بكت حتى جفت المدامع، فهرعت لها مسرعة، حتى إذا ما وصلتُ، تعاظمَ عندها البكاء والنحيب، أسرعتُ في احتضانها، فإذا ما صارت بين يديّ ، تكلمت بحرقة وألم أعجز عن وصفهما، خلاصة المشكلة أنها كانت تأتمن صديقة دربها على أسرارها الحميمية ، وحين اختلفتا وطال الخلاف، قامت صاحبتها ببيع أسرارها بأرخص الأثمان،حتى أصبحت كالعارية أمام "إلي يسوى وإلي مايسوى".
تلاشت الكلمات عندما استمعت لتفاصيل القصة، ودمعت عيناي وشاركتها الحزن، حينها لاحت كلمات الأحنف بن قيس أمامَ ناظري:
إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سرِ نفسهِ
فصدرُ الذي يستودعُ السرِ أضيقُ

 نحنُ البشر في بداية المطاف ونهايته  بحاجة إلى شخص يحتوينا، يُربّت على أكتافنا، يحتضننا حين نتألم، يستمع
إلينا ولكننا نُريد منهُ أيضا أن يكتم الأمر، فصديقٌ كتومٌ في هذا الزمان لا يُفرطُ فيهِ بمالِ الدُنيا وزينتها ، فليس في هذا الصنف تكرار.

جميعنا خطاؤون ، وخير الخطائين التوّابون، فإن راجعتَ شريطَ حياتك يوماً، وأدركتَ أنكَ  خُنتَ عهداً، أوما راعيت أمانة، أوأفشيتَ سراً، فاقتل سوادَ الماضي بنورِ الحاضر ، فالمرءُ من حيث يثبتُ لا من حيث يَنبتُ ومن حيث يُوجد لا من حيث يُولد. وتذكر الآيات الاولى من سورة المؤمنون واتخذها شعاراً : "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" وكن من تلكَ الفصيلة النادرة التي تُحافظ على العهد وتكتم السر مهما مات الحب وانقطعت العلاقة.

اللهم اجعلنا ممن هم لأماناتهم وعهدهم راعون.. اللهم آمين.



رحاب شريف
17 .09.2012

الأحد، 9 سبتمبر 2012

للرجال فقط


تُحدثني صديقتي المتزوجة فتُخبرني أنها وبينما هيَ في عملها صباحاً، شعرت بوعكة صحية قوية، فقررت الرجوع إلى المنزل، حينَ دخلت المنزل كانت تبحث عن زوجها والذي هو بطبيعة مهنته يعمل ليلاً، ذَهَبَتْ إلى غرفة النوم، ولكنها كانت موصدة، طرقت الباب لمدة ليست بقصيرة ، سمعت اثناءها صوت حديث خافت ، وصوت أبواب الخزانة ، واصلت في طرق الباب، حتى فتح، حين فتحَ الباب دخلت هي بقوتها إلى الغرفة تُفتش في أنحائها، ففتحت كل درج ، وهي تصرخ ماذا كنت تفعل؟ وهو يقول لا شيء، لا شيء. حتى فتحت الخزانة، ونثرت ما بها من الملابس، فإذا بها تجد من بين الملابس جوال غريب! ليس جوال زوجها المعهود! هجم زوجها على الجوال ليأخذهُ منها ولكنها امسكتهُ بكامل قوتها، أقسم عليها أنه إن لم تتركه سوف يُطلقها. صديقتي ذاتَ عقل راجح، تركت الجوال وقد علمت مابه قبل أن تفتحه، حفاظاً على علاقة تشمل طفلا صغيراً ..
يُقال قديما "أن حبل الكذب قصير"، في كل يوم أكتشفُ في حياتنا أن حبل الكذب أقصر مما توقعنا جميعاً، لقد عَلِمَتْ صديقتي أن زوجها على علاقة هاتفية بأحدى الفتيات، ويكلمها نهاراً وليلاً، نهاراً حينَ تكونُ في عملها، وليلاً حينَ يكونُ في عمله. حين كلمتهُ وهي تداري عبراتها لتسأله "لماذا ؟ ،هل قصرت !"  فأجاب: "لا كنتُ اتسلى فقط" ، واعتذر ووعدها أن يصونها، وهكذا فعل. ولكن الثقة بقت متزعزعة بينمها، لم يعد في جوفها حباً له، غير احترام للعلاقة، حينَ قلتُ لها "سامحيه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له" ، قالت: لقد سامحته رغم أني لو كنتُ في مكانه ماكان أبدا ليُسامحني، ولكن لا سلطان على القلب، لقد مات من قلبي وأنتهى.
بالأمس كنت في حوار الكتروني سريع مع إبنة عمتي، فأخبرتني عن صديقتها التي ستُقدِم على الطلاق، وحين سألتها: لمَ؟ قالت اكتشفتُ خيانة زوجها، ومع من! مع إبنة عمها. تجمدَ الدمُ في عروقي، واحسست بقبح الخيانة وقلت : حسبي الله ونعم الوكيل في هؤلاء الذكور، فأمثالهم سأُلحن في قولي إن أطلقتُ عليهم لفظ الرجال.
صديقةُ عمري وهي في سنة أولى زواج، خانها زوجها مع زميلتةٍ لهُ في العمل، قد سبق لها الزواج وعندها أكثر من طفل ،طالت المكالمات واستمرت حتى تعلقت القلوب  فقرر زوجها طلاق صديقتي والتي كانت في بداية حملها، ليتزوج تلك! وهكذا حدث فعلاً، انتظرَ حتى أنجبت طفلة كالقمر، ليُطلقها، ويتزوج بتلك مباشرة. أود أن أنوه أن صديقتي التي طَلَقها هذا الذكر، غايةً في الجمال والخلق والدين، ناهيكم عن علمها وثقافتها ولكني أقول كما يقولُ أخواننا بمصر : " مالهوش في الطيب نصيب".
زميلتي في العمل، كانت تُحدثني عن إحدى صديقاتها الجميلات، فتقول: زوجها لئيم جداً، يخونها مع صديقتها، وهي لا تدري، يكلمها على مدار الساعة، وزوجتهُ الرائعة ليست سوى قطعة أثاث منزلية تَعوّدَ على وجودها، بينما زوجته الساذجة، تُغدق في تغنيج زوجها وتدليله وهو الخائن الصامت.
كم زواج انتهى بطلاق والسبب خيانة مؤلمة، كبُرت هذه الخيانة أم صغُرت، تبدلت أسماء الخيانة أم تلونت، فهي تلك الفعلة المشينة، التي تضعُ من صاحبها مهما كانت منزلتهُ العلمية والمهنية والإجتماعية، ولا ريب في ذلك، فهي نقيض الإخلاص، والإخلاصُ أساس الدين.
منذ زمن أدمنتُ نشيداً جميلاً جداً للمنشد الرائع "أسامة الصافي" عنوانها "رجال"، حين تكررت على مسامعي قصص كتلك تذكرتُ كلماتها التي تقول: " مازلتُ أبحثُ في وجوهِ الناس عن بعض الرجال،عن عصبة يقفون في الأزمات كالشُم الجبال، فإذا تكلمت الشفاهُ سمعتَ ميزانَ المقال، واذا تَحركت الرجال رأيتَ أفعالَ الرجال، يَسَعُون دوماً للعُلى بل نحو الكمال، ويحققون مفاخراً كانت خيالا في خيال، لا يَشتهون الدون أو أحوالَ أشباهِ الرجال، ويَرَوْنَ أنَ الحرَ عبدٌ إن توجهَ للضلال ، الى آخر الكلمات..  
أعزائي الذكور.. إن كنتم لا تَعرفُون ألف باء الإخلاص بعد، ولا تُدركُون أبجدية الوفاء، فلا تقربوا الزواج، فالزواج للرجال فقط ، فقد سئمنا القصص الأليمة والنهايات السقيمة ، قد أبدع شكسبيرحقا حين قال: " ليست الرجولة أن تُغري مائة امرأة ولكن الرجولة أن تغري امرأة واحدة مائة مرة".

اللهم زدنا تُقى وصلاح.. آمين.. آمين.


رحاب شريف
9.9.2012


الأحد، 2 سبتمبر 2012

ماذا إن لم يتحقق!

 
 
 يُؤرقهن أمر الزواج، فهو الحُلُم الذي لا يُغادر مخيلتهن،  وما عيبٌ أن حلمنَ به، فهذه نداءات الفطرة، لا مجالَ للتصدي لأصداء فُطرت المرأة عليها، فتحلمُ الفتاة برجلٍ صالح يحتويها، ويكونُ لها حصناً منيعاً وتكونُ لهُ سكناً حنوناً، وأن تكونَ الأم بعد كل ذلك، فتُربي جيلاً متميزاً.
إن كان ما سلف ليسَ عيباً فأينَ العيب إذا؟ دَعُوني أُحدثكم..
تُحدثني إحدى الفتيات وهي في السادسة والعشرين من عمرها ، إنها قلقة جداً من أن يفوتها القطار، وتُصبح "عانسا" على حد قولها، فأراها دائما صفراء الابتسامة، تُمارس حياتها دون حيوية، فتأكل دُون لذة وتشرب دون استساغة وتُقابلنا دون مرح! تجرأتُ يوما حين انفردنا مصادفةً لأسئلها: "لمَ أشعر دائما أنك تفعلين كل شي وأنتِ مُجبَرة.. فلا حماسة في الأمر ولا حيوية؟"
فأجابتني بما توقعت:" أرى كل صديقاتي قد تزوجن وأنا كما أنا ، أدعي لي الله أن يرزقني بالنصيب!" غضبتُ سرا من جوابها ولكنني لم أُفصح فأخبرتها مباشرة: "سأفعل ولكن هل عدم تحقق حلم الزواج يجعلك تعيشين حياتك كُلها دون تذوق، تستثقلين اليوم كله ، وتقومين بالممارسات اليومية مُكرهه؟"، لم استطع إنهاء الحوار معها لأن أحدى الفتيات انضمت لنا سريعا.. فَفُضَّ النقاش.
لم يهدء لي بال في تلكَ الليلة، هاتفتُها ولكني هذه المرة لم أكتم غيظاً ولم أُجَمِّل نصحاً، فأخبرتها بقول الدكتور جاسم المطوع : " أن الدرر المكنونة في قاع البحر لا ينقصها شيئاً إن لم تجد صياداً ماهراً حذقاً.. " قلتُ لها واصلي الدعاء وابقي الحُلُم فلا ضَيْرَ في ذلكَ ولا عيب، ولكن العيب كُله أن أكون تلكَ الجثة الهامدة التي بها بقايا رُوح بائسة، فأُعلق سعادتي بحلم الزواج، فلا أسعد ولا أهنأ حتى يتحقق.. ماذا إن لم يتحقق؟ هل أعيش العمر الجميل دون انجاز وانتاج ؟ دون سعادة ورونق وبهجة؟ ماذا لو تحقق وابتليت بزوج كئيب ، زادَ حياتكِ تعاسة وابتلاء؟ أتكونين كالصائم الذي صام دهراً يحلم بفطورٍ شهي جداً ليجد ما ينتظرهُ بصلة مُجَردة!، ركزي على الموجود يا "فلانة" لا على المفقود، على ماتملكين لا على مالا تملكين، واستمتعي حتى في شرب الماء الصافي، فهناكَ الملايين الذي يحلمون بالنعم التي تملكين. حتى اذا ما جاء الزوج المُنتظر أضفتِ الى سعادتكِ سعادة. اخلقي السعادة بنفسك ولا تربطيها بحدثٍ أو بشخصٍ أو بزمن.. قاطعتني : " غاليتِ في النصح، ولا أجدني قادرة على التطبيق، سأطلب منكِ طلباً أن ادعي الله أن يرزقني زوجاً".. اخبرتها ستكونين في دعواتي وأن تُكثف هي الدعاء كذلكَ لتنالَ ماتُريد ، وانتهت المحادثة.
كان ذلك الحوار في أحد الرمضانات المنصرمة، لم ينتهي الشهر الكريم حتى قالت لي : " أبشرج يا صديقتي، هناك من جاء ليطلب يدي، شاب طيب متعلم".. واخذت في وصفه.. سَعدتُ لها كثيراً،وباركتُ لها بفرحة عارمة، فقد تحقق ماتريده صديقتي.
تزوجت وانجبت، وابتعدت عنا جميعا بحكم الظروف ، هاتفتني منذ فترة ليست ببعيدة تبكي بكاءَ الأرامل، تشكي حزناً دفيناً، فهي لا تجد أدنى سعادة مع زوجها. وأنا أسمعها تبكي، صَعُبَ علي أن أُذكِرُها بكلامي ونُصحي، وأخذتُ مجراً آخر للتخفيف من آلامها.
فتاة أخرى، وقتها مشغول من الصباح إلى المساء، حياتها كلها أهداف سامية، تعمل ، تدرس، تقرأ ، تتطوع بلذة لا توصف ، مشاريعها النبيلة لا منتهية، أنهت الدراسات العليا، وبلغت من العمر 33 سنة ولم تتزوج، هيَ قريبة مني جداً، لم أسمعها يوم تبكي أو حتى تشكي أمر الزواج، فسألتها يوم ، ألا تخافين شبح العنوسة! فأجابت : " أنا مؤمنة أن الله سيكتب لي قدراً جميلاً، أيا كان، مع من كان، ومتى كان.. والأهم أني سعيدة، فهو "تعني الزوج" ليسَ الحياة التي انتظر، أنا اعيش حياتي بحذافيرها بمتعةٍ متناهية، فإن تزوجت أضافَ الزواج إلى حياتي الجميلة جمالاً، الزواج ليس الحياة، الزواج إضافة فقط إلى تلك الحياة. كانت تتكلم وأنا أرى دون مرآة أن عيني تبرقُ من السعادة ، هكذا النساء العاقلات المُنجزات وإلا فلا..
كانت يدي مُحَمَّلة ببعض الأشياء ، ما إن أنهت كلامها حتى وضعتُ كل ما بيدي جانباً وصفقتُ لها، فإن لم يستحق هذا الكلام التصفيق فمالذي يستحق إذا؟..  لن آخذكم في تفاصيل طويلة ولكن تزوجت هذه الصديقة من رجل أكاديمي، بعد قصة حب جميلة وقصيرة واليوم تعيش معه حياة وردية.
كنتُ اقرأ منذ فترة كتاب "نسيان كوم" للكاتبة المتألقة الجزائرية أحلام مستغانمي، فأضحكتني إحدى العنوانين التي تقول " أيتها الحمقاوات الحياة تنتظرك وانتي تنتظرينه !" ضحكتُ طويلاً وقد تذكرتُ جنون الفتيات من حولي. لعلي بكلامي هذا لا أُقلل من قيمة الزواج ولا أعيب الرغبة به، ولكنني أعيب فتيات يُعطِلنَ سعادتهن كلها حتى يتزوجن ! ويَقرن أمرَ السعادة والحياة الجميلة بحدث الزواج .. أعوذ بالله أن يزيد هذا المرض في الجنس اللطيف.
اللهم انا نسألك السعادة والرضا، ونسألك الفوز في الدنيا والآخرة.. اللهم آمين.
 
رحاب شريف
rehabsharif@ 


الخميس، 23 أغسطس 2012

"نصيب"



إحدى صديقات الطفولة أحبت شخصاً واستمرت علاقةُ الحب تلك ست سنين، وحينما "كَوّن" الشاب نفسه وكان قادراً على أن يُقدم على أمر الزواج، رفضت والدته قطعاً لاختلاف المذاهب بينهما،حاولت الفتاة المستحيل وحاول الشاب المستحيل، كل بطريقته،لكن الأم أبت أن تَتَم هذه الزيجة، فبقى الاثنان متمسكان بالعلاقة رغم مَمَات الأمل ، ورفض الأهل، باختصار.. شاءت الأقدار أن تُصاب والدة الشاب بسرطان الثدي،وأخذت تعاني المرض لمدة سنتين كاملتين،ومن ثم توفاها الله"رحمها الله رحمةً واسعة".
بعدَ زمن من وفاتها أقدمَ الشاب على أمر الزواج وتَمت الزيجة. اليوم لديهم من الأطفال اثنين وقد سمعتُ من إحدى صديقاتي أن الثالث في طريقه إلى النور. حينَ تمت تلكَ الزيجة جميعنا قُلنا : "سبحان الله..نصيب!".
اليوم تُحدثني جارتي عن صديقة عمرها "عبير" إذ تقول وهي تسرد لي القصة:  أحبت "عبير" أحد زملائها في الجامعة وأحبها، وبعد فترة سافرت إلى ألمانيا لمدة شهرين عند أحدى العائلات لتحسين مستوى اللغة الألمانية، وعند عودتها إلى الديار،كانت بصحبة فتاتين من ألمانيا رغبا أن يسكنوا مع إحدى العائلات ليتعلموا كذلك العربية. ماحدث أن عرّفت عبير "حبيبها وزوج المستقبل" على الفتاتين الألمانيتين، اكتشفت عبيرمصادفة بعد فترة  وجيزة خيانة حبيبها مع أحدى الألمانيتين لتسقط عبير مَغشي عليها، تألمت، أنهت العلاقة. تزوج حبيب "عبير" الألمانية تلك، وانتقل الى المانيا،وانجبت له بعد فترة ولداً جميلاً، في تلك الأثناء ،وقفت عبير مجدداً على قدميها واجتهدت فتخرجت من البكالوريس ومن ثم الماجستير،وحصلت بعدها على بعثة دراسية لدراسة الدكتوراه بفرنسا، حدث أن سمعَ حبيب "عبير" السابق، زوج الألمانية الحالي أن "عبير" بعد اثنتي عشرة سنة من انفصالهما، تتواجد الآن بفرنسا لدراسة الدكتوراه،حاول جاهداً بعد أن طلق الألمانية أن يعود أدراجه إلى عبير، لكنها رفضت، اجتهد كثيراً وحاول الوسائل كلها،قبلت به عبير مجدداً بعد أن خاض جميع الاختبارات التي وضعتها لهُ بامتياز، وتزوجا.
عندما سمعتُ تلك القصة، قلتُ لجارتي: " وكأنها من قصص الافلام" ولكني سرعان ما قلت: " سبحان الله .. " النصيب .. يصيب" ".
إحدى الفتيات تم طلب يدها من ابن الجيران،وهم يتبادلون اعجابا كبيرا منذ زمن بعيد،والعائلتين على وفاق كبير،تمت أمور الخطبة، ومراسيمها على أتم وجه،حتى جاءت ليلة الزواج، وحدث اختلافا نجهلهُ جميعا، هدم الزواج والحفل والارتباط!
أحيانا نظن ان الامور معقدة ولن تتم إلا بضربة عصا سحرية، ولكنها تتم ، لأن الله قدّر أن يَتم الأمر، وأحيانا نظن أن الأمور مُنسابة ومُتَيسرة ولكنها لا تكتمل وإن حاولت جميع الأُمم المستحيل.
إحدى الزميلات الجميلات تزوجت مرتين، وتمنت أن تنجب في كل زيجة، ولكنها لم تنل ما تتمنى، وحين انتهى زواجها الأول والثاني بالانفصال،دون أطفال، كانت تقول: ليتني انجبت طفلا على الأقل، ساق الله لها زوجاً أفضل من الأول والثاني بكثير، وتزوجته، وانجبت منهُ طفلةً كالقمر، رزقها الله المولود من الزوج الذي سيكون لها الزوج الابدي.. !
نظن أحيانا أن الامور سيئة كما ظاهرها لكنها مبطنة بخيرٍ عظيم، لا تُدركه عقولنا في حينها، ولكن لابد من حكمة ربانية في كل أمر يحدث، ذلك لأن الرحمن لا يأخذ أشياؤنا الجميلة ولكنهُ يَستبدلها بأشياء أجمل.
مِن القوانين الكونية الجميلة "قانون الجذب" الذي ينص على أن ما تفكر فيه وتؤمن به بعمق ويقين تحصل عليه ويتحقق، وأنا من أشد المؤمنات بذلك القانون إذ إنهُ قانون رباني قبل أي شي فاللهُ سبحانهُ يقول في الحديث القدسي: " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء".
الأمر الأعظم أن تفوض أمرك كلهُ لله عز وجل وتؤمن الإيمان التام أنهُ إن لم تحصل على ماتريد فاعلم إن"حكمة الله تُخفى بعض أحيانِ" وإنكَ في المستقبل القريب ستقول الحمدلله أن حدثَ كذا وكذا.
أعرفُ أحدى زميلات الدراسة الجامعية، يتيمة الام والاب، يحبها أحد الشباب الصالحين وتحبه حباً جماً، والدتهُ معارضة لهذا الزواج، والسبب أن الفتاة تكبر الشاب بسنتين. حاول الشاب المستحيل حتى بكى بين يدي والدته ليخبرها أنها حب حياته والأم متمسكة بالقرار دون جدوى. انفصلا للتو حين بدى لهم أن الزواج مستحيل. تواصلتُ معها حين عرفتُ منها بشأن الإنفصال واخبرتها : "لتعلمي أن الأيام القادمة حُبلى وستلد لكِ مولودا أجمل من ماضٍ أبكاكِ وأحرق مُقلتاكِ. فقط قولي: " توكلتُ على الله وكفى بالله وكيلا" بعمقٍ ويقين وانتظري منهُ الفرج الجميل فإن خيرالعبادة انتظار الفرج وتذكري أن الأمر كما نقول بلهجتنا العامية :"نصيب"، وهكذا فعلت.
لم يحدث شيء بشأن صاحبتي اليتيمة بعد ولكني كما متيقنة أن أسمي "رحاب"، متيقنة أن الله قد رسم لها مستقبل جميلاً ، بل وجميلاً جداً.

اللهم إنا توكلنا عليك التوكل الجميل.. فأنت نعم المولى ونعم الوكيل.



رحاب شريف
@rehabsharif



الخميس، 26 يوليو 2012

"مِن نُور"





حينَ كنتُ في الثانوية العامة تعرفتُ على "نور"،زميلة لي بالصف، لم أكن أتقبل أن تَكون صديقتي رغم محاولاتها لأَن تكون، طوالَ تلكَ السنة. حتى جاءت نقطة التحول، إذ بلغنا نهاية العام وبدءت المعلمات في رصد درجات أعمال الفصل، وكانت الكرّاسة الصفية  مهمة جداً إذ تُمثل درجة عالية من درجة أعمال الفصل، وما حدث أن فاجئتنا مُدَرسة الأحياء دونَ سابق تنويه أن اجمعوا جميع الكرّاسات، فاليوم سأرصد الدرجات، ومن لا أرى كرّاستها اليوم ستحصل على "صفر".
ارتعتُ جداً لأني لم أحضر الكراسة في هذا اليوم، ومع هذا تجاهلت الحقيقة وبحثتُ في حقيبتي المدرسية عن كرّاسة الأحياء لعلي وضعتها بين الكتب والدفاتر، ولكن لا فرار من الواقع . الكرّاسة لَيست معي. وليسَ لي غير ال"صفر". لم أذهب لاتوسل المُدَرسة لتمنحني فرصة أخرى فأنا أعرف هذه المُدَرسة جيداً، كلامها لا يتبدل ولا يتغير.
جلستُ في الصف، وزميلتي نور تَرقبُ حالتي، نور بكل هدوء ذهبت وسَلَمَتْ كرّاستها للمدرسة ثم رجعت أدراجها. سادت لحظات صمت حتى تُكمل المدرسة من رصد الدرجات وتصحيح الكرًاسات.
في نهاية الحصة، أخذت المُدَرسة تُنادي بأسماء الطالبات ليستلمن دفاترهن، وتقول الدرجة التي رصدتها لكل طالبة، فبدئت تنادي بأسماء الطالبات بالترتيب الأبجدي،حتى وصلت إلى اسمي،صُعقت حينَ نادتني لأستلم دفتري، وصُعقت حين سمعت أني حصلت على درجة كاملة!
ذهبتُ لأستلم الدفتر، الذي لستُ أدري من أينَ أتى؟ وكيف! وأنا أتحرك بالحركة البطيئة من هول الصدمة، سمعتُ من نور عبارة: " أخذيه ورجعي لا تقولين شي". وهكذا فعلت.
حينَ تصفحتُ الدفتر لم يكن دفتري بالطبع، ولكن كان أسمي في مقدمته، علمتُ من الخط أنهُ خط نور، وأنا أقلب الكرّاسة يَمنةً ويَسرة، وصلت المُدَرسة لأسم نور وإذا بها تقول :  " نور عدنان الشامسي ، صفر "!!
حينها شعرت بحجم الإيثار من تلكَ الإنسانة، وشعرتُ كم ظَلَمَتْ نفسها بهذه الفعلة، لم أتقبل أن أكون صاحبة الدرجة الكاملة وأنا من نسيت الكرّاسة وصاحبة الكراسة الحقيقية تأخذ "صفر".
ألتفتُ على نور وأنا متلونة بألوان غريبة، وجميع ملامحي تتكلم : "لمً فَعلتِ ذلك!" ثم قلت: "حرام عليج تحصلين صفر!" فابتسمت ابتسامة جميلة وقالت لي : "ماعليج".
المعجزة الربانية التي حدثت أن تلكَ المُدرسة الصارمة، قبلَ أن تَنصرف من الصف أخبرتنا أن الفتيات اللاتي لم يُحضرن دفاترهن سأمنحهم فرصة أخيرة حتى صباح الغد.
ذلك الموقف الذي أطنبتُ في وصفه كان نقطة التحول في علاقتي بنور من الزمالة الى الصداقة، إذ أدركتُ رغم معارضتي لما فعلت، أنها أصيلة بحجم السماء.

 منذ ذلكَ الحين وحتى يومنا هذا أنا وهي ظللتنا صداقة حميمية ، فنؤثر الخير لبعضنا البعض، وتواعدنا منذ المرحلة الثانوية أن يكون حبنا خالصا لله ، فالحب في الله هو الرباط الأبقى والأدوم.وكتبتُ لها كلمات بخطي المعوج باتت تحفظها حتى يومنا هذا : "الشمسُ بعظمتها تغيب، والوردُ بجماله يذبُل، والشمعُ بتضحيته يَذوب، وجميع الأشياء في أفول، فالتغير سنة الحياة، لكنني أنا وأنتِ سنخالف السنة، ستبقى علاقتنا باقية وإن رحلنا سنلتقي بجنات النعيم". ووضعتُ عهوداً غليظة لتلكَ العلاقة، أساسها الحب في الله والنصح والإنجاز.
نور ليست الصديقة الوحيدة التي بنيتُ معها صرح صداقة شامخ ، لدي صديقات كُثر ، وجميعهن تربطني معهن نفس الرباط ، رباط الله في الصداقة، الذي نسيجهُ حب ونصح وعلم وفائدة.
فحين نجتمع نجتمع لطاعة أو لعلم أو لإصلاح أمر، نجتمع كذلك للترفيه، الترفيه الرصين، ولكننا نحرص أن تكون أغلب لقاءاتنا لقاءات الهمم والفائدة، فهذه هي الصداقة الحقة ، التي تعينك على الرقي في الدنيا والآخرة.
بعض الناس لا يؤمن بالصداقات، إذ أنهُ لا يعرف كيف يحل معادلات الصداقة الخطية البسيطة ،فيرى الغدر في كل صديق يقرَبُه، ولَعلَّ العيب هنا ليس في الأشخاص ولكن في الرباط الذي يَربطُ الأشخاص،وحين تنتهي العلاقات بالفشل، أدركُ يقينا أن الرباط لم يكن رباطاً ربانياً.
أَتَفَكَرتَ يوماً في صَحبكَ؟ ونشاطاتكم حينَ اللقاء، وعهود الصداقة بينكما! حين تُجيب على أسئلةٍ كَتلك سَتُدرك مستوى العلاقة وعمقها وأصالتها.
وأنا أكتبُ سطوراً كهذه تذكرت النشيدة القديمة التي يحفظها غالب الناس : "أن تدخلني ربي الجنة.. هذا أقصى ما أتمنى.. وتهبني الدرجات العليا.. يارب.. يا لهنائي حين أُلاقي في الجنةِ صحبي ورفاقي.. فَرِحِينَ بنعم الخلاقِ..ياذا المنة ..يارب".
وهنا تُجبرني صداقاتي أن أُغير البيت الذي يقول: "ما أكثر الاخوان حين تعدهم .. لكنهم في النائبات قليلُ" ليكون: "ما أكثر الأخوان حين تعدهم .. وجميعهم في النائبات عضيدُ"

اللهم ارزقنا صحبة الأخيار لنكون على منابر من نور..
 اللهم آمين.

رحاب شريف
26 يوليو2012


الخميس، 19 يوليو 2012

"يا سلام"



سمعتُ قصة "محمد بن أبي عامر" الشهيرة منذ سنوات عديدة وشاهدتُ قصتهُ في المسلسل التاريخي الشهير:"ربيع قرطبة"، إذ تتلخص قصتهُ أنهُ كان فقير معدم، وكان يحلم أن يكون خليفة المؤمنين، وكان قد أخبر أصحابة ماذا تتمنون لو أصبحتُ الخليفة؟ فأما الأول فقال:توليني القضاء، وقال الآخر: توليني حسبة السوق، أما الثالث فقال مستهزئاً: إذا تحقق ماتريد فأمر بأن يطاف بي قرطبة كُلها على حمار وأنا مطلي بالعسل،ليجتمع علي الذباب والنحل. فلما بلغ "محمد بن أبي عامر" الهدف منح كل واحد منهم أمنيته،على نحو ماطلب.
"محمد بن أبي عامر" بلغَ الهدف باجتهاده وهمته وطموحه وذكائه وأصبح الحاجب المنصور، وحل محل خليفة المؤمنين، وأثبت معادلة الوصول: إن تواجدت الهمم وغلت العزائم فلا يحول بينك وبين الهدف أمر.
"محمد صفر" زميل لي في عملي السابق، يذكرني أخي "محمد صفر" ب"محمد بن أبي عامر"، فهو كبير الهمة ، قوي البأس، كثيرُ العمل، وكان يحلم أن يصل إلى منصب كبير في سن صغير وهذا ماحصل، تدرجَ السلم الوظيفي من أدناه حتى بلغَ منصب "مدير" وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين عاماً في أحد أشهر البنوك الإسلامية، ولا عجب فحين تتواجد الهمم تموتُ المستحيلات.
عمتي "بدرية" هي أكبرُ عماتي سناً ولكنها ذاتَ همة كبيرة، وعمل دؤوب، لم يُثنها عن تحصيل العمل حاجز، ولا عن الوصول لشهادة الماجستير عمر معين، بل هي مصدر تحفيز وإلهام للقاصي والداني. كلمتني جدتي منذ فترة اذ ألتقت بها صباحا لتوصيَتها ببعض المهام واستغربت همتها العالية فتقول:" ياريت الكل عنده مثل همتها "، فأجبت :" ياريت". فلا يحولُ بين الإنجاز أعمار، ولا أعذار ،إن وُجدت الهمم.
"فيصل الذيب" أحد المستثمرين العمانيين الذين كنتُ أتعامل معهم في عملي السابق، صغيرُ السن، أصبح مليونيرا من الصفر وهو لم يتجاوز الثلاثين عاما، وعندما ذكرَ لي قصتهُ صُعقت لفترة لكن العجب تبعثر بسرعة شديدة، فالهمم تصنع المعجزات يا رحاب فلمَ العجب؟
 إذ إن قصتهُ باختصار أنهُ عندما كان طالباً جامعيا كان يملك سيارة قديمة جدا ، فكان يوصلُ بتلك السيارة أصحابة الذين لايملكون أي وسيلة مواصلات للوصول للجامعة، وكان يأخذ مبلغاً شهرياً من كل طالب، فأشتهر بالجامعة وأخذ الكثير يطلبون منه " التوصيلة" للجامعة، فجمع مبلغاً من المال وباع السيارة القديمة، واشترى باصاً مستخدماً ليستطيع نقل مجموعة أكبر، وجمع مالا أكثر واشترى باصاً آخر ووكلَ أحدُ زملائة  بسياقته بحيث يمنحهُ مرتب شهري، وجمع مالاً أكثر وهكذا حتى اشترى باصاً ثالثاً ورابعاً وخامساً وسادساً!!
حينَ بلغَ عدد الباصات الستة ، قاربَ هو على التخرج ، وتخرجَ بنجاح بل وبتميز، باعَ تلك الباصات الستة وماجمع من خلال تلك السنوات من المال واشترى قطعة أرض، باعها واشترى غيرها وهكذا.. حتى باتَ اليوم مليونيرا بل ومن كبار المستثمرين العمانيين. بفضل الله وتوفيقه، ثم بفضل تلك الهمه العالية المتدفقه .
 منذ يومين كنتُ أحثُ أخي الأصغر "ابراهيم" على القراءة والكتابة بشكل أكبر، فأجاب : " آنا صغير ليحين على هالسوالف"، أجبتهُ: "ليس هناك عمر للانجاز، إن توافرت الهمة، فطأطأ الرأس غير متقبل .. حتى ذكرتُ لهُ بيت المتنبي : "واذا كانت النفوس كبارا.. تعبت في مرادها الأجسام".. قَبَلَ بروحٍ عالية بعد مناقشة طالت عن معنى البيت، ووضعَ نصب عينيه أن يكون الأول على المرحلة الإعدادية في العام القادم.
 
 هزتني قصة "أبي مسلم الخرساني" الرجل الذي أسقط دولة بني أمية وأقام دولة بني العباس، صاحب الفتوحات والانتصارات العظيمة،اذا جاء في التاريخ أن أمهُ كانت تراه وهو صغير يتقلب على الفراش
كالملسوع،فتهب إليه مستفسرة، فيقول لها: همة يا أماه تنطح الجبال! "يا ســلام" على همم كتلك.

قصصُ الهمم كثيرة، قديمة كانت تلكَ القصص أم "طازجة" من حاضرِ عصرنا، العبرة ليست في زمن القصة وبطل القصة وتسلسل أحداثها، أنما العبرة في من أعتبر بهذه القصة، فتكون تلك القصص المحفزة كالنار الحامية لتغلوا بها الهمم، ولكنهُ حتماً الغليان المستمر.

اللهم إنا نسألكَ همماً عظيمة لا تخمدُ أبدا..



رحاب شريف
19 يوليو 2012